الخميس، ٤ سبتمبر ٢٠٠٨

الحمد لله الذي بلغنا رمضان


أخبرنا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أن رجلين من بلي- وهو حي من قضاعة- قتل أحدهما في سبيل الله ، وأخر الآخر بعده سنة ثم مات ، قال طلحة : فرأيت في المنام الجنة فتحت ، فرأيت الآخر من الرجلين دخل الجنة قبل الأول ، فتعجبت . فلما أصبحت ذكرت ذلك ، فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أليس قد صام بعده رمضان ، وصلى بعده ستة آلاف ركعة ، وكذا وكذا لصلاة السنة ؟ " وهكذا تمضي بنا الايام وتتعاقب الأسابيع وتتوالى الشهور ، ويأتينا رمضان عاماً بعد عام ، يزيد في حسناتنا ويرفع درجاتنا عند الله ، فنجد أنفسنا تردد بقوة " الحمد لله الذي بلغنا رمضان " فاللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان.


" الحمد لله الذي بلغنا رمضان " فهو شهر تسمو فيه النفس، وتتطلع إلى مرضاةِ الله عزَّ وجل ، وهو موسم للخيرات والمغفرة والرحمة والعتق من النار، وهوشهر الإيمان والتقوى والبعد عن المعاصي " لعلكم تتقون "،وهو شهر العبادة (صيام- قيام- قرآن- صلاة- اعتكاف-...) والنفوس مهيئة لذلك، وهو شهر التكافل ووحدة الأمة وصلة الأرحام ومواساة الفقراء وإطعام المساكين وتفطير الصائمين، وهو شهرالتهادي والتزاور، وهو شهر الجهاد والنصر والتغيير والإصلاح، فاللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان .


" الحمد لله الذي بلغنا رمضان " فهو شهرالاجتماع حول مائدة القرآن الكريم تلاوة وتدبراً وحفظاً وسماعاً، وفيه عمارة بيوت الله بالقرآن صلاة وتلاوة ودعوة وتبليغاً؛ حتى ينصلح الناس والمجتمع بالقرآن، وصدق الله حيث قال " شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " ، ولذلك رأينا تنافس الناس فيه على ختم القرآن وتلاوته وتدبره بحب وشغف ونهم ، فاللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان .


" الحمد لله الذي بلغنا رمضان " فهو شهر نسمو فيه بأنفسنا، ونطهرها من ذنوبها وآثامها، ونكفرعنها سيئات عامها المنصرم ، ونتطلع بها إلى مرضاةِ الله عزَّ وجل ومغفرته وعفوه وجود كرمه ، ولنكسر المادية الطاغية في حياتنا بالعودة إلى الروحانية والربانية ، وقضاء الشهر في الإقبال على الله، ولنشهد الله على أننا أمة قوية قادرة على كسر شهواتها وملذاتها ، وهي تمتنع في الشهر الكريم عن الحلال المباح ناهيك عن الحرام ، وهذا هو مقصود الصيام في شهر رمضان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فاللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان .


" الحمد لله الذي بلغنا رمضان " فهو شهر نسعى فيه أن نصلح الدنيا بالدين ، ونجمع قلوب الناس حول دعوة الخير، دعوة الطهر والرشاد ، دعوة الهداية والنجاة ، دعوة الإصلاح والتغيير، وهو شهر الكسب الدعوي وشهر الإصلاح امتثالا لقول الحبيب " من دعا إلى هدى فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " ولقوله " لئن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس" ، فاللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان .


" الحمد لله الذي بلغنا رمضان " فهو شهر الفوز بمضاعفة الجزاء والثواب على الصالحات، وغفران الذنوب ومحو السيئات، وتطهير أنفسنا من الأوزار والأدران، وصدق الحبيب حيث قال : " رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن " وفي ذلك إشارة إلى رحمة الله بنا وفضله علينا ونعمه المعنوية والمادية التي تنهمر علينا بغير حساب، تلك النعم التي تفجر في قلوبنا مشاعر الحب له والرجاء فيه والحياء منه سبحانه وتعالى ، فاللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان .


" الحمد لله الذي بلغنا رمضان " فهو شهر الصيام والقيام نحقق فينا قول الحبيب صلى الله عليه وسلم :" من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" وقوله " من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" ؛ ففي ذلك زاد للأرواح وغذاء للنفوس وشفاء للصدور، من خلال تذوق حلاوة الطاعة والعبادة في الصيام والقيام وكثرة الخطى إلى المساجد واصطفاف الأقدام في الصلوات في الفرائض والنوافل والتراويح والتهجد وحضورالقلب و خشوعه، فاللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان .


" الحمد لله الذي بلغنا رمضان " فهو شهر الهجر والخصام والمقاطعة التامة لكل ما تميل إليه النفس من شهوات ورغبات وأهواء وأمنيات وإن كانت مباحة، بدءاً من الإمتناع عن الطعام والشراب والجماع ومروراً بقطع طل الشهوات، وهو شهر مجاهدة للنفس ومدرسة للتربية والتهذيب والتقويم وإصلاح النفس ، ويأتي اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ليحقق تلك النقلة في حياة المسلم ، فاللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان .


" الحمد لله الذي بلغنا رمضان " ففي كل ما سبق دلالة على حب الله لنا بأن جعلنا ندرك شهر رمضان، إضافة إلى أنه سبحانه وتعالى أعد لنا جناته وفتحها لنا في رمضان وأغلق أمامنا أبواب النار وصفد لنا الشياطين، " والمنادي ينادي علينا " يا باغي الخير أقبل "، لننال فيه رحمات المولى عزوجل ومغفرته وعتقه لرقابنا من النار، فشهر رمضان ” أوله رحمه أوسطه مغفرة وآخره عتق من النار" ، ولننال نظر الخالق لنا في أول ليلة من لياليه " ومن نظر الله إليه لم يعذبه " فاللهم لك الحمد أن بلغتنا رمضان .


ليست هناك تعليقات: