الأربعاء، ٢٥ نوفمبر، ٢٠٠٩

يوم عرفة .. هيا نجدد العهد




تهيئة

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان - يعني عرفة - وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها ، فنثرهم بين يديه كالذر ، ثم كلمهم قبلا ، قال : " ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من يعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون " هكذا هو يوم عرفة جعله الله يوم أخذ الميثاق من بني آدم جميعا، وهو اليوم الذي يجب أن نقف فيه مع أنفسنا، كي نجدد العهد مع الله ونعقد البيعة معه من جديد، نجددها كل عام في خير أيام العمر، فما أعظمه من عهد وميثاق، وما أعظمها من بيعة نعقدها مع الله .


لماذا عرفة

لقد اختار الله يوم عرفة دون غيره من الأيام ليأخذ فيه العهد والميثاق من بني آدم، لما في هذا اليوم من فضائل لا تجتمع في غيره، فهو اليوم الذي أقسم الله به " والشفع والوتر" قال ابن عباس الوتر يوم عرفة ، وأقسم به ثانية " وشاهد ومشهود" فالمشهود يوم عرفة كما روى الإمام أحمد، وهو يوم إكمال الدين وإتمام النعمة قال تعالى " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً"، وهو يوم التجاوز عن الذنوب والعتق من النار، قال الحبيب صلى الله عليه وسلم" ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول ما أراد هؤلاء "، وهو يوم مباهاة الله ملائكته بعباده قال صلى الله عليه وسلم" إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء ، فيقول لهم : انظروا إلى عبادي هؤلاء جاءوني شُعثاً غُبراً "، وهو اليوم الذي يتصاغر فيه الشيطان قال عليه الصلاة والسلام"ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه يوم عرفة ، مما يرى من نزول الرحمة ، وتجاوز الله تعالى عن الأمور العظام "، وهو اليوم الذي يهب الله فيه المسيء للمحسن، ويعطي المحسن ما سأل قال رسول الله "إن الله تطاول عليكم في جمعكم هذا، فوهب مُسيئكم لمحسِنِكم، وأعطى محسِنكم ما سأل"، وهو يوم الفضل الأكبر "عن أنس بن مالك أنه قال : كان يقال : يوم عرفة بعشرة آلاف يوم" ، فهو يوم التجلي الأكبر ويوم الذكر الأكثر ويوم الدعاء الأكبر ويوم العتق الأكبر ويوم المباهاة ويوم القرب والذكر والمناجاة ، فاطلبوا ذلك اليوم الزاهي البهي


علام نعاهد

لقد جعل الله يوم عرفة يوم تجديد العهد معه سبحانه وتعالى ، وإحياء هذا الميثاق الأبدي مع الله، وحتى نكون من الذين بايعوا وعاهدوا وجددوا عهدهم مع ربهم ، فهذه علامات تجديد العهد في ذلك اليوم

· أول تجديد للعهد أن نشكر الله على نعمة الإسلام والهداية للقرآن ، وأن أبقانا هذا العام لنشهد الخير، وأن أحيانا مسلمين، وأن نعقد العزم والنية على أن نكون عباداً له سبحانه كما يحب ويرضى .

· أن نسارع بالتوبة الصادقة وتكرارها كل لحظة، وأن نكثر من الاستغفار لنا ولأهلنا ولمن معنا " من استغفر للمؤمنين وللمؤمنات كتب الله له بكل مؤمن ومؤمنة حسنة"

· بأن نصوم ذلك اليوم لما فيه من أجر عظيم "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" وأن نفطر فيه صائماً لعل الله أن يرزقنا صيامه مضاعفاً

· أن نستيقظ الثلث الأخير من ليلة عرفة نقومها لله ونصلي بجزئين تبارك وعم فنكتب من المقنطرين الذين صلوا بألف آية في ليلة، " من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين"مستشعرين قوله تعالى" والذين يبيتون لربهم سجدا وقياماً" وقد قال لنا الحبيب " أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل "

· أن نجلس قبيل الفجر مستغفرين ربنا " والمستغفرين بالأسحار" وأن تفيض أعيننا من خشية الله وذكره خاليا حتى نكون ممن ذكرهم الحبيب " ورجلٌ ذكر الله ففاضتْ عيناه"

· أن ننوي أداء الحج والعمرة " من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة"

· أن نكثر فيه من الدعاء " خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" وقوله " أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة"، فهو أكثر الذكر بركة وأعظمه ثواباً وأقربه إجابة، وأن نستغل أوقات إجابة الدعاء

· أن نملك سمعنا وبصرنا ولساننا عما يغضب ربنا "يوم عرفة من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له "، وأن نسأله سبحانه وتعالى العتق من النيران "ما من يوم أكثر من أن يعتق فيه عبداً من النار, من يوم عرفة, وانه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة, فيقول ما أراد هؤلاء "، وأن نقبل على الله في ذل كما كان سلفنا " قال ابن مبارك :جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة، وهو جاث على ركبتيه، وعيناه تهملان"

· أن نكثر من التكبير ونحيي تلك السنة المهجورة ، انطلاقاً من قوله تعالى " ولتكبروا الله على ما هداكم " ولما ذكره البخاري رحمه الله تعالى عن ابن عمر وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم , أنهم كانوا يقولون: الله أكبر الله أكبر الله أكبر , لا إله إلا الله , والله أكبر الله أكبر , ولله الحمد" وهذا هو الذكر المطلق ويكون عقب الصلوات وفي الأسواق والدور والطرق والمساجد .

· بأن نجتمع على الخير مع الصالحين في ذلك اليوم ، فقد فعل ذلك ابن عباس وأجازه بعض أئمة السلف ، ومنهم الإمام أحمد فقال : " أرجو أن لا يكون به بأس "، وأن نتعاون على فعل الخير دائماً .

· أن نحافظ على بيوتنا التي في الجنة من خلال أداء السنن الراتبة " ما من عبد مسلم توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى لله في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة إلا بنى الله له بيتا في الجنة"

· أن نكثر من ذكر الله المطلق ، إضافة إلى أذكار الصباح والمساء ، وأذكار احوال اليوم والليلة" ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم ذكر الله"

· أن نجتهد في العبادة والإقبال على الله ، من صلاة وصيام وصدقة وصلة رحم وعيادة مريض وأعمال بر ودعوة إلى الله ، أن ننوي الإعتكاف في ذلك اليوم كلما دخلنا المسجد ولو ساعة أو لحظات ، وأن نعيش مع القرآن في الورد اليومي، تلاوة وتدبرا وحفظا وفهما وعملا ،

· وأن ننصر دينه ودعوته ، بالعمل لدينه ودعوته صباح مساء، ووقف النفس لهذا الدين كي نحقق الغاية المنشودة بعودة الخلافة الإسلامية وتحقيق أستاذية العالم

· أن نحمل أهلنا وأولادنا على ذلك كله، وأن نحثهم على الاستزادة من الخير والطاعات ، حتى تكون بيوتنا كما أراد الله " واجعلوا بيوتكم قبلة"


ختاماً

هذا هو برنامجنا العملي في يوم عرفة، وهذا هو تجديد عهدنا مع الله كي ننافس على صحبة الحبيب ومرافقته في الجنة، و نتسابق مع الصحب الكرام وشعارنا ما قاله أبو مسلم الخولاني " أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا، والله لنزاحمنهم عليه حتى يعلموا أنهم خلفوا وراءهم رجالا " فهيا إلى التنافس فيها في الخير والعمل الصالح ، وليكن شعارنا في هذا اليوم ( والله لنزاحمنهم ) مزاحمة الصحب الكرم على مرافقة الحبيب ، ومزاحمة الحجيج على نيل المغفرة في يوم العتق الأكبر ، كي نجعل من هذا اليوم نقطة انطلاق إلى الجنة ، والله أكبر ولله الحمد

الإثنين، ٢٣ نوفمبر، ٢٠٠٩

وعاد الأطهار إلى الديار


انطلاقة

بالأمس اتصل بي حبيبي وأستاذي صاحب الإبراهيميات، كعادته في تفقد أحبابه وتلامذته وأبنائه في هذه الدعوة وذلك بعد خروجه من الاعتقال الظالم، فذكرني بما حدث له ولإخوانه قبل ستة أشهر، حينما قامت أجهزة الأمن بحملة اعتقالات ضد 13 من الأطهار من قيادات ورموز الإخوان المسلمين والذين سموا بمجموعة التنظيم الدولي، واعتقلتهم طوال هذه الأشهر الستة، رغم قرارات الإفراج التي أصدرتها المحاكم والتي برأتهم فيها من كل تهمة نسبت إليهم، ولقد كان خروجهم قبل إسبوع من أعظم الأخبار التي نقلت إلي والتي كان الأحباب يهنئونني بها نظراً لانتسابي إلى تلك الزمرة المباركة في عريضة الاتهام وإن لم أنل شرف صحبتهم في تلك الرحلة، وجاء هذا الإفراج بعدما قضت محكمة جنايات جنوب القاهرة حكمها بتبرئتهم في خامس حكم لهم بذلك، ويأتي هذا الإفراج ليمثل نقطة انطلاق جديدة في حياة تلك الكوكبة المباركة بعد هذه الدورة التدريبية التربوية الربانية التي هي منحة من الله لعباده وخطوة على طريق التمكين لنصرة دينه، ولقد سُئل الإمام الشافعي رضي الله عنه : أيُمَكَّن للمرء أولاً أم يُبتلى؟" فقال: "لا يُمكَّن للمرء حتى يُبتلى"، وبذلك تصبح هذه المحن سنة من سنن الله في التمكين والاستخلاف في الأرض، قال تعالى"وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ" .


عود حميد

لقد عاد الأحباب ( أ العزباوي ود أسامة ود ابراهيم ود عصام ود محمد سعد وأ الحسيني وم علي وإخوانهم جميعا ) عادوا إلى الديار بعد غياب قهري استمر 6 أشهر، وبعد رحلة طويلة، عانوا فيها الكثير من الظلم والقهر والحبس والاعتقال والتشريد عن الأهل والأحباب والديار، وعن المهام الدعوية و الأعمال الحياتية، ولكنه العود الحميد بإذن الله، عود لاستكمال مسيرة العمل الدعوي والتربوي والإداري، عود للنهوض بدعوتهم والارتقاء بإخوانهم، عود لحمل الدعوة والقيام بأعبائها، عود لخدمة مجتمعهم الذي افتقدهم خلال تلك الفترة، عود حميد وشعارهم " عائد أنا من حيث أتيت .. عائد أنا لمسجدي .. عائد إلى الصلاة والركوع والسجود .. عائد إلى الطريق خلف أحمد الرسول .. أرسل الخطى حزينة في إثره .. عرفت قصة الطريق كلها .. وعائد أنا برغمها .. كالفجر كالصباح مغدق وباسم .. والخطو كالرياح عاصف وعارم "


بل هو خير لكم

لقد قالها الله تبارك وتعالى في سياق محنة تعرض لها المسلمون في حادثة الإفك " لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم " نعم إن كل المحن التي يتعرض لها الإخوان تحمل في طياتها الخير الكثير والعطاء الوافر من الله عزو جل، ومهما كثرت المحن على الإخوان خرجوا ثابتين محتسبين وما لانت لهم قناة، وصبروا على هذا الإيذاء والاعتقال حتى خرجوا من هذه المحن وهم أشدُّ عودًا وأكثر عطاءً وتضحيةً وبذلاً لدعوتهم وتفانيًا لدينهم، رافعين راية الحق وعاملين لتحقيق آمال وطموحات أمتهم ودعوتهم ودينهم، ولقد أدرك الإخوان أن مع كل بلاء خيراً وثمرة، ومع كل محنة منحاً من الله وعطايا كثيرة، فهم يستشعرون أن الاعتقال تحقق فيه قوله تعالى " بل هو خير لكم" ومن ذلك :

بل هو خير لكم : حيث عقدت دورة لتحسين الصلة بالله والتزود إيمانيا وروحياً ، وحيث الإكثار من العبادات وتحقق صفة العبد الرباني" ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" فكان التزود من تلاوة القرآن وتدبره وحفظه وتمثل معانيه، وكانت نوافل الطاعات من صيام وقيام وذكر واستغفار،

بل هو خير لكم : حيث كان الاعتقال فرصة للوقوف مع النفس وتصحيح مسارها وترتيب أولوياتها، وتزكيتها وتقويمها ومعالجة النقص فيها ، وتجديد العهد معها بالثبات على طريق الدعوة ، وحملها على أخذ الأمر بقوة مستشعرين قوله تعالى " خذوا ما آتيناكم بقوة"

بل هو خير لكم : حيث التقى الإخوان في دورة تعارف وتآلف عن قرب، فاجتمعت القلوب والأرواح ، وتقاربت الأفكار والآراء، وامتزجت النفوس في إخاء فريد ومحبة ونقاء، وتعمقت بينكم أركاننا الأساسية( التعارف – التفاهم – التكافل)، وظهرت معادن الرجال بينكم، وحدث التكامل والتبادل في الخبرات والملكات والقدرات، وزاد الترابط الإخواني بينكم" لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم"

بل هو خير لكم : حيث كان الاعتقال منحة لأفراد أسركم وأهليكم في تقربهم إلى الله وحسن صلتهم به، واستشعارهم معية الله ، ومشاركتكم في ثواب المحنة وابتغاء الأجر معكم من الله، مما هون عليهم المصيبة وفراقكم وأنزل السكينة والطمأنينة على قلوبهم وأنفسهم ، وأن عودهم الله على تحمل المسئولية في غيابكم، فكانوا رجالاً من خلفكم وسارت أمورهم إلى أحسن بفضل رعاية الله وتوفيقه لهم في محنتكم، وظهر لهم بوضوح حقيقة المعركة القائمة بين الحق والباطل، فتمسكوا بطريق الدعوة وازدادوا تمسكاً بالفكرة، وعاشوا قضايا أمتهم .

بل هو خير لكم : حيث زادكم الاعتقال قوة وصلابة واستمساكاً بالحق الذين تدعون إليه، وثباتاً على المنهج القويم والصراط المستقيم، وأنتم تستشعرون كلمات المؤسس رحمه الله "وقد يطول بكم أمد هذا الامتحان، ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين" فكانت كلماتكم وتصريحاتكم بعد الخروج دلالة على علو هممكم وسمو عزائمكم في مواصلة الطريق مهما كانت الصعاب "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبلوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو الفضل العظيم "


اكتمال الفرحة

لقد عاد الرجال الأطهار إلى ديارهم (مجموعة د أسامة ومجموعة د عبد المنعم) ولكن فرحتنا لم تكتمل بعد، فإن اكتمال فرحتنا لن يكون إلا حينما يعود إلينا الأسد الجسور خيرت الشاطر ومجموعته المباركة ممن صدرت ضدهم أحكام عسكرية جائرة، ولن تكتمل فرحتنا إلا حينما يخرج من سجون الظالمين كل أخ حبيب اعتقل ظلما وعدواناً في سجون مصر أو تونس أو سوريا أو أي بقعة أرض فيها معتقل ، ولن تكتمل فرحتنا إلا بعودة أسرانا المعتقلين في سجون الصهاينة المجرمين أو سجون سلطة فتح الظالمة في فلسطين، ولن تكتمل فرحتنا إلا بتحرير أراضينا المغتصبة والمحتلة من قبل اليهود المجرمين أو الأمريكان الظالمين أو الهندوس والبوذيين المجرمين، ولن تكتمل فرحتنا إلا حينما نرى أنوار الخلافة الإسلامية العالمية تعمنا بضيائها وتشملنا برحماتها وتحفنا بعدالتها، وقد بدأت في الأفق إرهاصات ذلك النور وما ذلك على الله بعزيز.


ختاماً

إن دعوة الله ماضية رغم تكالب الأعداء عليها سواء من الداخل أو الخارج، وهذا يستوجب منا جميعا أبناء هذه الدعوة وحملتها وأنصارها، أن نستشعر عظم المسئولية والأمانة المنوطة بنا، وأن نحفز أنفسنا على الاستمرارية في العمل لدين الله دون توقف أو انقطاع من أجل الوصول إلى أستاذية العالم التي ننشدها، وبأن نستمسك بالحق الذي اجتمعنا عليه وأن نثبت عليه مهما كان الإيذاء والتنكيل والتشريد، وبأن نصبر على طول الطريق وكثرة مشاقه وتخطي عقباته حتى يأتينا نصر الله، وأن نقدم في سبيل دعوتنا ونبذل لها كل ما نملك من نفس ومال ووقت وكل شئ في سبيل الغاية المنشودة، ووالله ما هي إلا إحدي الحسنيين (النصر أو الشهادة) والله أكبر ولله الحمد

الأحد، ٢٢ نوفمبر، ٢٠٠٩

واشوقاه يا الله

واشوقاه إلى البيت العتيق
واشوقاه إلى الطواف
واشوقاه إلى ماء زمزم
واشوقاه إلى الحجر الأسود
واشوقاه إلى السعي بين الصفا والمروة
واشوقاه إلى منى وعرفات
واشوقاه إلى المزدلفة والمشعر الحرام
واشوقاه إلى زيارة الحبيب
واشوقاه إلى زيارة الحبيب
واشوقاه إلى زيارة الحبيب
يااااااااااااااااااااااااااااااااااارب





السبت، ١٤ نوفمبر، ٢٠٠٩

وأقبلت العشر الأحب إلى الله


تهيئة

تمر الأيام والليالى، وتتعاقب السنون ، ويبقى المؤمن بين رجاء رحمة الله وخشية عذابه ، ويبقى إيمانه بين الزيادة والنقصان، وتبقى همته بين الشدة والفتور، وبينما هو كذلك إذ تأتيه نفحات الله وتتعرض له، لتقوية إيمانه ورفع همته ، وتقبل عليه مواسم الخيرات ليغفر الله له الذنوب ، ويرفع له الدرجات، فالسعيد من اغتنم الفرصة في مواسم الطاعات، وتقّرب إلى الله بالعمل الصالح، عسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات، ومن أعظم هذه النفحات ما قاله الحبيب صلى الله عليه وسلم " ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ، يعني الأيام العشر. قالوا : يا رسول الله ! ولا الجهاد في سبيل الله ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع من ذلك بشيء " وها نحن علي موعد نلتقي فيه بأيام مباركة طيبة، وتقبل علينا أيام طيبات تحمل معها نفحاتٍ كريمةً من ربٍ كريمٍ ، تبعث في نفوس المسلمين المحبة والشوق ، فتهز مشاعرهم وتستجيش عواطفهم ، فتسوقهم إلى رحاب الطاعة ومحراب العبادة.

الأحب إلى الله

لقد جاءت الأحاديث تؤكد على أفضلية هذه الأيام العشر على غيرها من أيام السنة كلها ، وعلى أنها الأعظم والأحب إلى الله تبارك وتعالى لقوله صلى الله عليه وسلم "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر"، فهي الأحب إلى الله زماناً لأنها تأتي في خير الأزمنة التي أقسم الله بها "والفجر وليال عشر "، وهي الأحب إلى الله زماناً لأن بها خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفه ، وهي الأحب إلى الله مكاناً، لأن فيها يكون اجتماع المسلمين العالمي السنوي في موسم الحج ، فكانت تلك الأيام مكان اجتماع أمهات العبادة ، قال ابن حجر رحمه الله: "والذي يظهَر أنّ السببَ في امتياز عشر ذي الحجة بهذه الامتيازاتِ لِمَكان اجتماع أمّهات العبادة فيها، وهي الصّلاة والصّيام والصّدقة والحجّ وغيرها، ولا يتأتّى ذلك في غيرها"، وهي الأحب إلى الله لأنها أيام تجديد الحياة في ظل طاعة الله، ولأنها أيام التعرض لنفحات رحمة الله، ولأنها أيام المسارعة إلى المغفرة، ولأنها أيام المسابقة في الخيرات، ولأنها أيام موسم التجارة الرابحة، وهي الأحب إلى الله لأنها الأيام الوحيدة التي جمعت بين نفحات المكان ونفحات الزمان، ولأنها الأيام التي جمعت بين العبادات القلبية والبدنية والفردية والجماعية، وهي الأحب إلى الله لأنها أيام الرحمة والمغفرة والعتق من النار, وهي الأيام التي تتشبه فيها ملائكة الأرض بملائكة السماء , فينافس فيها البشر الأطهار الملائكة الأبرار، ويباهي الله بهم ملائكته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما من يوم أكثر من أن يعتق فيه عبداً من النار, من يوم عرفة, وانه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة , فيقول ما أراد هؤلاء " وهي الأحب إلى الله لما روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه "كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف يوم قال - يعني في الفضل ، ولما روي عن الأوزاعي قال: "بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها، ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة" ولما روى عن كعب " اختار الله الزمان و أحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم ، و أحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة ، و أحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول".

الأعمال الأحب

أخي الحبيب أخاطب فيك همم العارفين وعزائم الناسكين وأشواق المحبين ومشاعر الطائعين وعزمات المشمرين، ها هي أيام العشر المباركات من ذي الحجة قد أقبلت بخيراتها، و بنفحاتها، و بنسماتها المباركة، هاهي قد أقبلت بالعطايا والهبات والفيض من النفحات، وهي أيام كان النبي الكريم وصحابته الكرام يخصونها بمزيد من الإقبال علي الله والوقوف علي طاعته والإكثار من ذكره والإقبال عليه ، ولقد أدرك سلف هذه الأمة فضل تلك الأيام المباركات، فكان منهم السابق بالخيرات والمبادر للطاعات، فقد كان سعيد بن جبير إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادا لا يكاد يقدر عليه، وكان السلف الصالح رضوان الله عليهم "يعظمون ثلاث عشرات: العشر الأول من المحرم، والعشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأخير من رمضان"، فهل تكون ممن أصاب خيرها، واغتنم بضاعتها، فإليك أخي هذه الوقفات التي نخرج منها بتكليفات تربوية عملية:

1- هل نويت الحج والعمرة في هذه العشر؟, فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة " وقال ابن عمر رضي الله عنهما " عمرة في العشر الأول من ذي الحجة أحب إلي من أن أعتمر في العشر البواقي" (( العمل : رحلة حج لمن قدر عليها))

2- هل نويت الحج والعمرة وأنت مقيم؟ فإن لم تقدر على الحج فقد فتح لك الحبيب صلى الله عليه وسلم بابا يعدل الحج والعمرة"من صلي الغداة في جماعة , ثم قعد يذكر الله , حتى تطلع الشمس , ثم صلي ركعتين , كانت له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة"، (( العمل : المكث في المسجد عقب الفجر في ذكر وتلاوة حتى الشروق كل يوم ففي ذلك أجر حجة وعمرة))

3- هل نويت الصيام في هذه العشر؟ فقد سئل النوويّ رحمه الله عن صومِ تسع ذي الحجّة ، فقال "هي مستحبّة استحبابًا شديدًا" فقد روى الإمام أحمد "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة" وكان عمر بن الخطاب يقول" لا بأس بقضاء رمضان في العشر" وقال الحسن البصري " صيام يوم من العشر يعدل شهرين" وكان محمد بن سيرين يصوم عشر ذي الحجة كله ، وكان مجاهد يصوم العشر، قال" وكان عطاء يتكلفها" (( العمل : صيام هذه التسع))

4- وهل نويت الاعتكاف في هذه العشر ؟ فقد ورد عن الحافظ ابن عساكر أنه كان يعتكف في شهر رمضان وعشر ذي الحجة، (( العمل : اعتكاف ساعة كل يوم، أو اعتكاف يوم ، أو ما تشاء))

5- هل نويت صنع المعروف في هذه العشر؟ فقد قال الحبيب"صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد من العمر"، (( العمل: قضاء حاجة من حوائج الناس يومياً))

6- وهل نويت التكبير والتهليل في هذه العشر ؟ فقد أخبرنا الحبيب صلى الله عليه وسلم " ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إليه فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل و التكبير والتحميد " وذكر البخاري رحمه الله تعالى عن ابن عمر وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم , أنهم كانوا يقولون في أيام العشر : الله أكبر الله أكبر الله أكبر , لا إله إلا الله , والله أكبر الله أكبر , ولله الحمد، قال مجاهد: "كان أبو هريرة، وابن عمر رضي الله عنهما يَخرُجَان أيام العشر إلى السوق فَيُكبِّران؛ فيكبرُ الناس معهما لا يأتيان السوق إلا لذلك"، (( العمل : التكبير عقب الصلوات وفي الأوقات البينية))

7- هل نويت الذكر المطلق في هذه العشر فقد أمر الله المؤمنين "واذكروا اسم الله في أيام معلومات " قال ابن عباس "إنها العشر الأوائل من ذي الحجة" ، (( العمل : المحافظة على أذكار الصباح والمساء والذكر البيني والذكر المطلق 3000 مرة يوميا على الأقل))

8- هل نويت تنويع العبادات في هذه العشر؟ فقد كان السلف رضي الله عنهم ينوعون من العبادات في عشر ذي الحجة من أجل أن تستوعب أيام العشر أنواعاً من العبادات، وإليك أخي جملة من الأعمال التي علينا القيام بها في هذه العشرإضافة إلى ما سبق، عسى الله أن يباهي بنا ملائكته :

المسارعة بالتوبة الصادقة ، وتكرارها كل يوم وليلة.

تجديد النية لله في كل قول وعمل، واستحضار أكثر من نية في العمل الواحد، واجعل خبيئة بينك وبين ربك.

استغلال أفضل الساعات في الطاعات( ساعة قبل الفجر – ساعة بعد صلاة الصبح – ساعة الغروب )

قيام يومي فردي في البيت ، أقله ركعتان قبل النوم أو قبيل الفجر.

التصدق 4 مرات في العشر، وذبح الأضحية لمن قدر على ذلك ، ولاتنس حق الفقراء.

الاجتهاد لختم القرآن مرةً خلال العشر، وإلا فتلاوة جزء يومياً .

ممارسة الطاعات اليومية ( السنن الراتبة – الضحى – الوتر ... الخ )

إنتظام لقاء البيت المسلم الاسبوعي مع الزوجة والأولاد، مع بيان فضل العشر قبل دخولها

التقاء الأسرة مجتمعة على وجبة يوميا ( الافطار أو السحور) والافطار معهم 3 مرات على الأقل .

الدعاء للإخوان المغيبين ولإخوانك المجاهدين في فلسطين وفي كل مكان مع كل دعاء .

زيارة أستاذ والاستفادة من صحبته ومرافقته وتلمس الزاد عنده .

القيام بدورك الدعوي والحركي، وما تكلف به على أكمل وجه .

ابدأ يومك بصدقة لعلك تحظى بدعاء الملكين .

تعميم التبرع بافطار يوم لفلسطين والمحاصرين في غزة على كل من تعرف وتخالط ، وابدأ بنفسك .

وختاما أخي الحبيب اجعل من هذه الأيام العشر فرصة للتربية الشاملة للنفس والروح في مواجهة صعوبات الحياة والمحن والابتلاءات, وفرصة للتواصل الدائم مع الله تعالى, وتربية للنفس على إحياء السنن, وميدانا للتنافس التربوي في إطلاق الطاقات وتنوع العبادات، ولنجعل من الأيام العشر دورة تربوية لتغيير النفس وإصلاحها وتهذيبها وتقويمها ومعالجة أخطائها ، واجعلها أعظم فرصة لتنال حب الله حينما تؤدي أعظم ما يحبه من أعمال في أعظم ما يحبه من أزمان وليكن شعارك في العشر " وعجلت إليك رب لترضى " .

الأحد، ٨ نوفمبر، ٢٠٠٩

الإخوان المسلمون عمل متواصل



تهيئة

" لقد انتصر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يوم صاغ من فكرة الإسلام شخوصاً وحول إيمانهم بالإسلام عملاً، وطبع من المصحف عشرات من النسخ ثم مئات وألوفاً ولكنه لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق إنما طبعها بالنور على صحائف القلوب وأطلقها تعامل الناس وتأخذ منهم وتعطي وتقول بالفعل والعمل ماهو الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من عند الله" بهذه الكلمات عبر شهيد القرآن سيد قطب عن هذا الدين وكيف أقامه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في واقع الأمة، وأضاف"لقد انتصر محمد بن عبد الله يوم صنع أصحابه عليهم رضوان الله صوراً حية من إيمانه تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، يوم صاغ من كل منهم قرآناً حياً يدب على الأرض ، يوم جعل من كل فرد نموذجاً مجسماً للإسلام يراه الناس فيرون الإسلام" فأقر أن قيام الإسلام وانتصاره لم يكن إلا من خلال التربية العملية الميدانية التي قام بها رسول الله مع صحابته فأثمرت رجالا ربانيين قرآنيين، ويؤكد شهيد القرآن على حقيقة أخرى تضاف إلى السابقة بقوله "إن النصوص وحدها لا تصنع شيئاً وإن المصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجلاً وإن المباديء وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكاً" بما يفيد أن أي دعوة لا تنجح إلا إذا جسدها أصحابها في مواقف عملية وسلوكية وأخلاقية ، بعيدا عن دائرة الكلام العلمي النظري.

دعوة ماضية

ومنذ ثمانين عاما قامت دعوة الإخوان تسير على خطى الحبيب من أجل إعادة هذه الأمة إلى سالف عهدها وسابق مجدها، بإحياء الخلافة الإسلامية التي ماتت، وبإظهار الدين فوق ربوع العالمين، وتحقيق أستاذية العالم انطلاقا من قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس "، ولقد أدرك الإخوان أن هذه الغايات وتلك الأهداف التي قامت من أجلها الدعوة ما كان لها أن تكون في أرض الواقع ولا أن تتحقق إلا إذا أخذ أبناؤها الأمر بقوة استشعاراً لقوله تعالى " خذوا ما آتيناكم بقوة"، وأن يتحملوا مسئولية الدعوة بجد وعزيمة ، وأحس الإخوان أن تحقيق تلك المبادئ والغايات والأهداف لا يتم إلا من خلال تطبيق عملي للإسلام الذي جاءنا به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وإن تحقق ذلك يحتاج إلى إرادة قوية وعزيمة صادقة ، فانطلق الإخوان بهذه النفسية العظيمة وتلك الهمم العالية، يبلغون دعوة الله ويصلون الليل بالنهار عملاً وبذلاً وحركة وعطاءً، انتقالا بالأمة من ميدان الخطب والكلام إلى ميدان العمل المتواصل، ومن ميدان وضع الخطط والمناهج إلى ميدان الإنفاذ والتحقيق، وحادي الركب يوجه القافلة "إن رجل القول غير رجل العمل ورجل العمل غير رجل الجهاد ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم، الذي يؤدي إلى أعظم الربح بأقل التضحيات"، فأصبح سمت الإخوان الأعمال الجدية المنتجة، لا يثنيهم عن واجبهم ودعوتهم كثرة الخصوم ولا تكالب قوى الشر.

تربية مثمرة

لقد سعى الامام البنا والإخوان من أجل السير على خطى الحبيب في تربية الرجال، فكان هدف الدعوة الأول أن تصنع رجالاً لا أن تلقي المواعظ وأن تصوغ ضمائر لا أن تدبج خطباً وأن تبني أمة لا أن تقيم فلسفة، وأن تحول الفكرة المجردة إلى رجال تلمسهم الأيدي وتراهم العيون، فكان سمت الدعوة في رجالها العمل المتواصل الذي لا يتوقف ، كما قال المؤسس رحمه الله " وقد أعددنا لذلك إيمانًا لا يتزعزع، وعملاً لا يتوقف، وثقةً بالله لا تضعف، وأرواحًا أسعد أيامها يوم تلقى الله شهيدةً في سبيله"

فربت دعوة الإخوان المسلمين أفرادها على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلتهم لا يقصرون في فرائض الله، ولا ينتهكون حرماته، ولا يجرءون على معصية، ولا يفرطون في التعبد ، ولا يبالغون في التزهد، ولا يظلمون دنياهم على حساب آخرتهم، فهم يصومون ويفطرون، ويقومون ويتريضون، ويمزحون ويجدون، ويجاهدون وينبسطون مع أصدقائهم ومع أهليهم، ويعملون للآخرة ولا ينسون نصيبهم من الدنيا في أخذ شامل للدين وتطبيع عملي واسع له في كل مناحي الحياة.

وربت دعوة الإخوان أفرادها على مائدة القرآن كي يكون كل واحد منهم قرآنا يمشي بين الناس، فجعلوا كتاب الله تبارك وتعالى أول أورادهم، وكان من تعهُّدهم أن يرتب الأخ على نفسه كل يومٍ جزءًا على الأقل من القرآن الكريم يتلوه، وكان تعاملهم مع القرآن على أنه تعليماتٌ تُحْفَظ، وتوجيهاتٌ تُنَفَّذ، وتربيةٌ تظهر في السلوك والأخلاق ، مستشعرين قول سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " ينبغي لحامل القرآن أن يُعْرَف بليله إذا الناس نائمون، وبنهارِه إذا الناس يفطرون، وبِحُزْنِه إذا الناس يفرحون، وببكائِه إذا الناس يضحكون، وبصمْته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يخْتالون، وينبغي لحاملِ القرآنِ أن يكونَ باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا عليمًا سِكِّيتًا، وينبغي لحاملِ القرآنِ أن لا يكونَ جافيًا ولا غافلاً ولا صخَّابًا ولا صيَّاحًا ولا حَدِيدًا " فكانوا صوام النهار قوام الليل ، وكانوا تجسيا عملياً لك ما جاءس في القرآن من قيم وأخلاق.

وربت دعوة الإخوان المسلمين أفرادها على مكارم الأخلاق التي هي أساس دعوتهم ، انطلاقا من قوله تبارك وتعالى: (ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكّاها ، وقد خاب من دسّاها)، فتجسدت أخلاق الأخ المسلم في جوانب عملية ( صادق لا يكذب ، وفي لا يغدر ولا يخلف، حليم لا يسرع بالغضب ، ولا يفحش بالقول ، حيي لا يجهر بالسوء ، ولا يثبت للمنكر، شجاع يجهر بالحق ، ولا يخشى فيه لومة لائم، عفيف ، يضع كرامته فوق كل الغايات والأغراض الزائلة، منصف يقدر الحسنة ، ويزن السيئة ، ويأخذ من كل شيء أحسنه، يعفو ويصفح ، ويدرأ بالحسنة السيئة ، إلا أن تنتهك محارم الله ، فلا يقوم لغضبه شيء... الخ)، وهكذا كان تجسيد الإخوان لمبادئ دعوتهم من خلال عمل دؤوب متواصل يصلون الليل بالنهار

وربت دعوة الإخوان أفرادها على أنهم "أجراء عند الله أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا، عملوا وقبضوا الأجر المعلوم، وليس عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير فذلك شان صاحب الأمر ولا شأن الأجير" فهم يستشعرون أن الله محاسبهم على الأعمال والنيات لا النتائج ، قال تعالى " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" فأدركوا أنهم مطالبون بالعمل لدين الله وأجرهم عليه، وأدركوا انه لا نجاح لدعوتهم إن أعطوها فضول أوقاتهم، وأدركوا ان الإسلام اليوم ليس بحاجة إلى مزيد بحوث ولا تراكم علوم ولا ثقافات واسعة بقدر ما يحتاج إلى دعاة عاملين مجسدين للإسلام في واقع حياتهم، من غير ملل من طول طريق أو تأخر نصر أو تباعد تباشير الفجر، يقول الإمام البنا " أيها الإخوان المسلمون اسمعوها مني كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر: إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده. ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلةً ولكن ليس هناك غيرها. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب.."

وربت دعوة الإخوان أفرادها على أن يكونوا شخصية تجمع الخير من جميع جوانبه انطلاقا من قوله تعالى " اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون"، وأن يكونوا عمليين في كل ميدان يدخلونه، فإذا جدَّ الجِدُّ، ودعا داعي الجهاد كانوا فرسان الميدان جنود الحق باذلي الأنفس، وإذا دخلوا ميدانَ السياسة كانوا أبصر الناس بالمصالح والمفاسد، وأعلمهم بالسياسة الشرعية، وأقضى الناس لحاجات العباد، وإذا عاملوا الناس في التجارة كانوا أصدقهم وأكثرهم أمانةً، وإذا كانوا مع أهلهم وجيرانهم ومجتمعاتهم خالطوهم مخالطة تامة دون المساس بثوابت الدين، فهم في عمل متواصل مع مجتمعم من بر الوالدين، وصلة الأرحام، وإكرام الضيف والجار، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم، ومواساة الفقير، وكفالة اليتيم، وإنقاذ الغريق، ومساعدة البائس، وإنظار المعسر، وإرشاد الضال، وإعانة اللهفان المستغيث، والمحتاج والضعيف، وإذا رأوا فسادا أومنكراً كانوا أشد الناس بغضاً له وفراراً منه وسعيا في إنكاره وإزالته، وعند الملمات تجدهم أسرع الناس تلبية للنداء وأسخاهم يداً بالبذل والعطاء، وفي بيوتهم تجدهم أحرص الناس على تربية أبنائهم تربية إسلامية قرآنية ، وفي مساجدهم كانوا أصحاب الصفوف الأولى، وعمارها بالجماعات والصلوات والذكر والقرآن ومجالس العلم والدعوة والإرشاد، حيث أن المسجد هو أهم مساراتهم الدعوية وأغلاها،


ختاماً
وهكذا أدرك الإخوان أن العمل الصالح بشتى أنواعه وألوانه، يحفظ على الاخ دينه وعرضه، ويكسبه الحياة المطمئنة، ويقوده إلى الخير وراحة البال، وأن الأعمال واسعة وميادينها فسيحة، وهكذا أدرك الإخوان أن العمل المتواصل فقط هو السمت الحقيقي لهم ، بعيدا عن زخرفة القول وإبداعات التنظير، واستغراقات العلم التلقيني، وفلسفات الجدل السوفسطائي، وهكذا عاش الإخوان في عمل متواصل، يراهم الناس وجهين لعملة واحدة، إما أن يكون الأخ المسلم في عمل دائم متخذا شعاره من قوله تعالى " وقل اعملوا" وهذا هو الوجه الأول للعملة، وإما أن يكون في رباط دائم على ثغرة من ثغور العمل الدعوي ينتظر أداء التكليف متخذا شعاره من قوله صلى الله عليه وسلم " كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة " فإلى العمل أيها الإخوان ودعوا لغة القول إلى لغة الفعل ، وانطلقوا من ميدان الكلام والنظريات والفلسفات والجدال العقيم، إلى محراب العمل المتواصل والله معكم ولن يتركم أعمالكم يها الإخوان والل

السبت، ٣١ أكتوبر، ٢٠٠٩

لك الله يا دعوة الخالدين



تهيئة

طريق الدعوة طريق واحدة، سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من قبل ، وسار الدعاة عليها بتوفيق من الله من بعد إيمان وعمل ومحبة وإخاء، فقد دعا الإمام البنا إخوانه بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الإيمان والعمل ، ثم جمع قلوبهم على الحب والإخاء، فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة، وصارت جماعتهم هي الجماعة النموذجية التي لا بد أن تظهر كلمتها وتنتصر دعوتها وإن ناوأها أهل الأرض جميعا، ولقد ربت هذه الدعوة أبناءها كي يعيشونها واقعا ملموسا كما عاشها الجيل الأول من الصحابة الكرام، يعيشونها من حيث تطبيق هذا الدين فى واقع الحياة بين مكة والمدينة ، فتارة تكون مكية وأخرى تكون مدنية ، فهم يعيشون فى دار الأرقم مثلما يعيشون فى المسجد النبوى، يعيشون الإضهاد تارة والتمكين أخرى، ويعيشون مشحونين بالثقة فى وعد الله لعباده المؤمنين بالتمكين وبإذلال أعداء الله من الكافرين والظالمين والمستكبرين الذين يناوئون الدعوة ويقهرون أبناءها، ويعيشون مدركين أن الغلبة فى النهاية لاولياء الله وحملة رسالاته الذين ربوا أنفسهم فارتقوا بخصائصهم وثقافتهم والتزامهم" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ".


صور ثلاث

إن دعوة الله هي دعوة الخالدين، جعلها الله في حفظه وحمايته، حتى قال أحد أساتذة الدعوة " هذه الجماعة يحفظها الله، وإن عشرات المواقف عبر التاريخ لتبين ذلك " ولقد سخر الله لها من المؤمنين من يقومون على حراستها من بعد الأنبياء والمرسلين ، من الأصفياء المجاهدين, الذين آمنوا بسمو دعوتهم وقدسية فكرتهم وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها أو يموتوا في سبيلها، ويتمثل حفظ هؤلاء لدعوتهم وتتمثل مهمتهم فيما قاله الحبيب صلى الله عليه وسلم "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"


لقد شهد تاريخ الدعوة الكثير والكثير من تلك الصور الثلاث " تحريف الغالين – انتحال المبطلين – تأويل الجاهلين " وإن الجماعة لتتعرض دائما لمثل هذه الحملات بين الحين والآخر، بغرض هز الصف وإحداث تشقق فيه، وإن الإثارة الإعلامية على دعوة الإخوان لم ولن تتوقف، وهذه هي حقيقة الصراع بين دعوة الله ومن عاداها ، ومن أجل ذلك كانت تلك الوقفات مع هذه الصور الثلاث.


تحريف الغالين

لقد نصح الله أهل الكتاب قائلا" لا تغلوا في دينكم ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل "، وهي نصيحة لازمة لأصحاب الدعوات أيضا، وقد ابتليت دعوة الله عبر تاريخها ببعض من هؤلاء الذين مالوا عن الوسطية وخرجوا عن حدود الاعتدال وانصرفوا عن المعنى الأصيل الصحيح وحادوا عن الإطار الشرعي الذين وضعته الدعوة لفهم الإسلام، فتشددوا فيه وجاوزوا الحد وأفرطوا، فهذا نوع مما ابتليت به دعوة الله وسماه الحبيب " تحريف الغالين" وإن هذا الغلو لهو آفة قاتلة ولا تنتشر إلا حينما يغيب الدعاة الربانيون الراسخون في العلم والتربية والتكوين، ولازال سمت هذه الدعوة بل ومن أخص خصائصها الوسطية والاعتدال والبعد عن التطرف في الفكر أو القول أو العمل أو السلوك ، فلا غلو في دعوتنا ولا تطرف ولا مغالاة ، بل اعتدال وتوازن وتوسط ، وإن أنصار الدعوة وحملة الرسالة الحقيقيين من يقومون بتنقية هذه الدعوة من كل ما هو ردئ من القول والعمل في الأفكار أو السلوك أو الممارسة الدعوية اليومية ، ويقومون بتنحية وإبعاد هذا الصنف من طريق الدعوة ليتم لها التمايز بين الدعوات بصفاء الفهم ونقاء العمل ، وما كان كتاب " دعاة لا قضاة" إلا خطوة على طريق تصحيح المسار للغالين وردهم إلى جادة الطريق " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني ... "


انتحال المبطلين

وقد تتعرض الدعوة وتبتلى بصورة أخرى من صور الابتلاء الواقعي والذي يتمثل في هذه الشريحة التي تقبل على بشبهاتها وأباطيلها ، والتي يبغي أصحابها أن يخرجوا بالدعوة عن حقيقتها إلى الزور والبهتان ، ليلبسوا على أصحاب الدعوات دعوتهم ومنهجهم الأصيل، وذلك بما يدخلونه على الدعوة من أباطيل وشبهات، بأن يأتوا إليها بافكار وأطروحات غير الحق المبين، وإن شريحة المبطلين لتعمل ليل نهار من أجل إطفاء نور الله " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم " من خلال إثارة الشبهات حول الدعوة ووضع أحاديث مكذوبة عليها وعلى قادتها وأبنائها، أو إدخال بعض الأفكار التي ليست منها ، وابتداع أفكار مغايرة لنهج الإخوان ودعوة الناس إليها، وتحميل أفكار الدعوة ما لا تحتمله من معان، ولكن " يأبى الله إلا أن يتم نوره "، وواجب أصحاب الدعوات هنا نفي مزاعم المبطلين من المدعين على الإسلام والدعوة وكشف صور انتحالهم المختلفة وفضح أمرهم ، وأقوى صور القضاء عليهم يكون بتمسك الدعاة بثوابت دعوتهم والبقاء في فلك الإطار الفكري والشرعي والتنظيمي لدعوتهم وعدم الخروج عنه قيد أنملة .


تأويل الجاهلين

وقد تبتلى دعوة الله بما يمكن أن نسميه تأويل أهل الجهل الذين يحاولون تشويه حقيقة الدعوة
، فيحرفون الكلم عن موضعه ، وينتقصون من الدعوة بعضا من أطرافها ، فيخرجون منها ما هو من صلبها ، ويقدمون فيها ما حقه أن يتأخر، ويؤخرون ما حقه أن يتقدم، وغالبا ما يكون الجهل مقترنا بفقدان الأدب واتباع الهوى والتطاول على قادة الدعوة وهذا سمت من لم يشرب روح الدعوة ولم يعش لها وبها ، ولم يكن لهم رسوخ في علوم الدعوة ولا مناهجها التربوية ، ولم يكن لهم من أركانها العشرة حظ ونصيب، فلا صحة في الفهم، ولا تجرد للحق ، ولا تضحية بلا طمع أو بخل ، ولا إرادة بلا ضعف ، ولا وفاء بلا تلون أو غدر ، فكان التساقط على الطريق والانحراف في الفهم والإعراض عن المحكمات واتباع المتشابهات، قال تعالى " فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"، وقد يزداد البلاء حينما يحاول هؤلاء لي أعناق مبادئ وأفكار الدعوة وتأويلها بالهوى، دون مراعاة لضوابط وقواعد وأصول الدعوة، وربما ساندهم في ذلك المبطلون والمضللون فآووهم وسلطوا الضوء عليهم، وربما وضعت أفكارهم وتأويلاتهم في محل الدراسة والنقاش وتلقين الناس إياها،


تلك هي مهام حفاظ هذه الدعوة من القائمين على أمرها من الدعاة المربين المورثين لها والناشرين لفكرها والمبلغين لرسالتها والساعين لتحقيق أهدافها، مهام ثلاثة بها نصون مبادئ هذه الدعوة ونحافظ على ثوابتها ، وإن دعوة الله اليوم بحاجة إلى أنصار الدعوة وحراس الفكرة الذين يحملونها ويحمونها ويبصرون الناس بها من غير زيادة أو نقصان، فلا تتغير عبر الأيام، ولا ينحرف بها عن مسارها ولا يعكر صفو نقائها أحد من الغالين او المبطلين أو الجاهلين، وبذلك يحقق أنصار الدعوة لها الحماية اللازمة والتوريث الجيد والبقاء والخلود حتى تكون بحق" دعوة الخالدين"، وإن دعوة الله بحاجة اليوم إلى الإخوان الصادقين من الإخوان المسلمين من أصحاب الدعوات وحملة الرسالات كي يدفعوا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فيميزوا هذه الدعوة بالربانية والفهم الصحيح الشامل ، ويقدمونها للعالم بيضاء نقية كي يفتحوا بها البلاد وقلوب العباد .

إن الدعوة باقية وستظل باقية بحفظ الله لها وبتمسكنا بثوابتها وبتحقق الأخوة الصادقة فيما بيننا وبأن نعيش الدعوة وفق ما تربينا عليه ، وبأن نركز دائما على حسن صلتنا بالله ، وبألا نلتفت لما يردد هنا أو هناك ، وأن نقوي ثقتنا في الله وفي دعوتنا وقادتنا و في أنفسنا ، والله أكبر ولله الحمد .

السبت، ٢٤ أكتوبر، ٢٠٠٩

أحكموا السفينة فإن البحر عميق




مقدمة

دعوتنا سفينة محكومة أثناء سيرها بالموج المضطرب والرياح العواصف المتمثلة في الابتلاءات والفتن والشبهات المثارة والشهوات المعروضة، ومحكومة من ناحية أخرى بإدارة الربان وما تُتخذ من قرارات من قبل قادتها الأفاضل، وعليه فهي تتأثر بكل حركة تقع فيها وحولها، فتهتز مرة ذات اليمين وتهتز مرة ذات الشمال، وقد تستقيم على الجادة أحيانًا أو تغيب مؤقتًا أحيانًا أخرى، ولن يكتب لها السلامة والاستواء فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص فيها على حذر مما يفعل، ويقظة لما يريد، وأن نعلم جميعًا أن لنا أعداء خارج سفينتنا يتربصون بنا الدوائر، ويسعون جادين لتخريبها وإفسادها، وأسهل وسيلة لتحقيق هدفهم أن يجدوا من أصحاب السفينة وربانها من يساعدهم في ذلك ، وهذا ما ظهر جلياً في الأزمة التي افتعلها الإعلام بين فضيلة المرشد العام ومكتب الإرشاد مؤخراً، فكانت هذه الكلمات .


ربانو السفينة

أساتذة الدعوة وقادتنا ومشاعل الهداية في جماعتنا ، لقد تربينا على أيديكم ، وهدانا الله إلى الخير بفضل لمساتكم التربوية واحتضانكم لنا وحسن تربيتكم ، وسارت الجماعة عبر تاريخها الطويل وثبتت رغم المحن والابتلاءات والشبهات والشهوات بفضل الله أولا ثم بقيادتكم الرشيدة لها ، وبصبركم وثباتكم على هذا الطريق ، وإن هذا الطريق بحاجة دائمة إلى حكمة تملى وعقل يفكر ، وأذن تصغي وقلب يبصر، وعالم يدعو وواع يذكر، فاقبلوا منا هذه الكلمات.


تعلمنا منكم

· تعلمنا منكم أنَّ كل حركةٍ يأتيها الأخ تتأثر بها سفينة دعوته سلبًا أم إيجابًا، فتهتز وتترنح أو تثبت وتقوى، لو تذكَّر كل أخ ذلك لما ترك نفسه تغوص فيما قد يغرق سفينة الدعوة، ولو عايش دعوته لانتبه لنواقض العمل الجماعي "شح مطاع، هوى متبع، دنيا مؤثرة، إعجاب كل ذي رأي برأيه" وتخلص منها، ولعمل حسابًا لكل خطوةٍ يخطوها وكل حركةٍ يتحركها؛ حرصًا على نجاته هو ونجاة كل مَن معه على الطريق ونجاة سفينة دعوته.

· تعلمنا منكم أن العواطف الهائجة تتعب صاحبها أيما تعب، وتضنيه وتؤلمه وتؤرقه ، وتعلمنا أن نجنب العواطف جانبا، وأن نجعل العقل متحكما، فالعواطف تتأجج وتعصف المشاعر عند سببين(الفرحة الغامرة والمصيبة الداهمة) ، وفي الحديث: (إني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة، وصوت عند مصيبة) ويقول تعالى: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ ويقول صلى الله عليه وسلم: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى" وعلمتنا الدعوة أن من ملك مشاعره عند الحدث الجاثم وعند الفرح الغامر، استحق مرتبة الثبات ومنزلة الرسوخ، ونال سعادة الراحة، ولذة الانتصار على النفس ولذلك قال الحبيب " وأسألك العدل في الغضب والرضا".

· تعلمنا منكم أن العاطفة حصان جامح متهور قد يُدمِّر الإنسان، ولا بد لهذا الحصان من لجامٍ قوي وفارس متمكن حتى يقدر على الاستفادة من هذه الطاقه الهائلة في حصانه ، وأنه لا مجال للقيادة بالعاطفة وفقط ، قالها المؤسس رحمه الله " أيها الإخوان المسلمين ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول ، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع،واكتشفوا الواقع في أضواء الخيال الزاهية البراقة،ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمُعلقة.ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على ببعض وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد "

· تعلمنا منكم أن العواطف طبيعة وفطرة بشرية، وأنها في الوقت نفسه عامل مؤثر في واقع الحياة الإنسانية سلبًا وإيجابًا، ولكن المسلم لا يقرر إيقاع أفعاله أو الحكم بصوابها وخطئها من منطلق العاطفة، ولا بمقياس ردود الأفعال، بل هو ملتزم بضوابط الشرع وأحكام الدين، وكل أقواله وأفعاله ينبغي أن تنضبط بأمرين أساسيين )الحكم الشرعي المستفاد من النصوص والمقاصد والقواعد الشرعية - مراعاة المصالح والمفاسد عند تنـزيل الأحكام الشرعية على الأحوال والحوادث الآنية والواقعية( وأن كلا الأمرين لا يلغي العاطفة، بل يضبطها، ولا يمنعها بل يوجهها.

· تعلمنا منكم ضرورة الالتزام بعدم الإسراع والاندفاع بدون حكمة وانضباط، فربما يكون ذلك استفزازًا من الأعداء، واستدراجًا من المتربصين"فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُون" وهكذا هي أخلاقياتنا على الطريق، حماسة وحمية، لكن تضبطها مرجعية منهجية، وتعلمنا منكم أن نتجاوز الشكليات ، وربما يكون هناك ما يستفز ويزعج من تسلط الأعداء أو تفلت الأولياء، ولا بد من تأثر لذلك وتغير، ولا بد من صد ومنع، ولا بد من عمل وإصلاح، وذلك مطلب فيه تصديق للإيمان، وإظهار لآثاره، ولكن مراعاة المصالح والمفاسد، واعتبار المآلات والمقاصد، وقبل ذلك التزام التشريعات والأحكام يضبط العاطفة ولا يمنعها، ويحقق الفائدة ولا يضيعها، وكثيرًا ما تكون العاطفة دافعة إلى مراعاة الأمور الصغيرة والوقوف عندها على حساب ما هو أكبر منها، وهذا ما فعله الحبيب صلى الله عليبه وسلم يوم الحديبية حينما تجاوز الشكليات ومسح اسمه من الوثيقة من أجل الهدف الأسمى والأعلى

· وتعلمنا منكم أن اجتماعنا من أجل تحقيق غاية واحدة "الله غايتنا"، ومن أجل تحقيق هدف واحد "الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم"، وكلما كانت الغاية واضحةً وخالصةً من كلِّ شائبة، وكلما كانت أهدافنا واضحةً ومحددةً، كان مدار النجاح والفلاح في طريقنا ومنهجنا، وتعلمنا منكم أن دوافعنا للعمل والحركة هي التعاون على البر والتقوى، لا الأهواء أو الاستجابة لوساوس الشيطان أو الحرص على الزعامات، وأن الارتباط في سفينة الدعوة بالمبادئ لا بالأشخاص، فلا تمحور في دعوتنا حول أشخاصٍ مهما كانوا.

· وتعلمنا منكم أن ركوبنا سفينة الدعوة يستوجب منا الالتزام بشروط وعهود والتزامات السفينة التي لا بد منها لضمان سيرها وتضافر الجهود في الاتجاه الصحيح، وقد حدد لنا إمامنا الشهيد الأركان الأساسية التي يجب أن يلتزم بها كل مَن سلك سبيل الدعوة وركب سفينتها ، وتعلمنا منكم أن الشورى ركيزة العمل التي تستقيم بها سفينة الدعوة ومَن عليها، ولا تنازل عنها أبدًا، وأن مجريات الأمور كلها في هذه السفينة تسير وفق المبدأ القرآني "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ"

· وتعلمنا منكم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة، هو القاعدة العظيمة التي تحفظ لسفينة الدعوة ضرورات حياتها ومكملاتها، وتحفظ ثباتها على المبادئ، وتمنع انحرافها عن الجادة ، قال صلى الله عليه وسلم " الدين النصيحة، قلنا لمن يارسول الله؟ قال لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم" .

· وتعلمنا منكم أن سفينة الدعوة محفوظة بحفظ الله لها، ومن هذا الحفظ يقيض الله لها مَن يقودها إلى بر الأمان، وهي قيادة تتمتع بالريادة لا القداسة، فلا نرى في دعوتنا أن القيادة ومَن تولوا أمرنا أشخاصٌ لهم قداسة أو لهم عصمة من الوقوع في الخطأ، أو أنهم فوق مستوى المساءلة أو المحاسبة أو تقديم النصح، ولا يوجد في دعوتنا حملة المباخر ممن يضفون مسحةً من القداسة على قياداتهم، ولا يوجد من رجالات دعوتنا وقادتنا من يستطيع احتكار الصواب، فقد قالها المؤسس رحمه الله: "وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم"،

· تعلمنا منكم أن ما يربطنا أسمى رابطة قدسية مهما اختلفنا ، وأن اختلافنا خلاف عقول لا قلوب، مع إحسان الظن والتواضع مع المخالِف والحوار بطرق راقية وأدبٍ جمّ وذوق، ومحاولة عرض وجهة النظر بأسلوب يرضاه الله تعالى ، وهذا ما قاله يونس الصدفي : ما رأيتُ أعقلَ من الشافعي، ناظرتُه يوماً في مسألة، ثم افترقنا ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: "يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في المسألة"

· وتعلمنا منكم الاعتراف بالخطأ إن رأينا الصواب فيما يقول أخونا، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة المسلمين أقرّ بخطئه ولم يستحِ فإن الله جل وعلا لا يستحي من الحق، فقال عمر "أصابت امرأةٌ وأخطأَ عمر "..

· وتعلمنا منكم التودّد مع من اختلفنا معه حتى لو بقي كلّ منا على موقفه،وهذا علي رضي الله عنه يقول لطلحة بن عبيد الله بعد موته، وكان بينه وبين طلحة خلاف يوم الجمل: "إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك في الذين قال الله عز وجل فيهم "وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ "

· تعلمنا منكم مراعاة الموضوعية، فلا نرفض الحق لأنه جاء على لسان فلان ، يقول الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه " لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله"، وقال بعض الصحابة "اقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضًا، ورُدّ الباطل على من قاله وإن كان حبيبًا ".

· وتعلمنا منكم محاولة التركيز على نقاط الالتقاء أكثر من مواضع الاختلاف، والتودّد مع المخالِف ، يقول الشاعر الإسلامي محمد التهامي "والحب يشفى المعضلات يحلُّها * حلاًّ، به كل النفوس تطيب"،ويا له من حبّ راقٍ ذلك الذي يجمعنا على غير أنساب بيننا،وينتهي في ظلٍّ ظليل عند مليكٍ مقتدر.

· وتعلمنا منكم أن الاحتكام إلى مرجعٍ مُرجِّح، والاستنجاد بمنْ يفهم موازين الشرع وفقه الواقع وبواطن الأمور، فريضة شرعية وضرورة بشرية تسير بها أمور الدعوة وتقضي بها مصالح الناس، ولله در القائل واصفًا نجاح قومه، فقال "نحنُ ألفٌ، وفينا واحدٌ حازم، ونحنُ نشاورهُ ونطيعهُ، فصرنا ألفَ حازم" تلك هي قيادة الدعوة، سمو في قناعة، وإقدام في وعي، واقتحام في ريث، كأنها تملك ما هنالك وبيدهاِ زمام الأمور كلها.

· وتعلمنا منكم أن سفينةَ الدعوة لا يمكن أن تُوحِّد قلوب أصحابها عواطف وأقوال هامشية، بقدر ما تتوحد على قلبِ رجلٍ واحد، تسمع له وتطيع، فيتحقق وصف الحبيب "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم"، وهذا لا يمنع من أن نتحلى مع قيادتنا بما صرَّح به الإمام أحمد "لا نزالُ بخيرٍ ما كان في الناس مَن يُنكر علينا".

· وتعلمنا منكم إن كان لقيادتنا علينا حق السمع والطاعة، فإنَّ لنا عليهم حق النصح والوعظ والإرشاد وحق المشورة، ولكن بآدابِ النصيحة التي تربينا عليها، وتعلمنا منكم أن النصيحة ومراجعة القيادة مما يقوي الجماعة ولا يضعفها، ويمدها بطاقاتٍ من الحيوية والتجدد تزيد في فعاليتها, وينفي عنها الخبث والعجز وكل ما يمثل عبئًا وثقلاً وقيدًا عن التطور والعطاء،


هكذا علمتنا الدعوة

علمتنا الدعوة أنَّ القيادةَ التي تخاف من النقد أو النصيحة غير جديرة بالبقاء أصلاً، وعلمتنا الدعوة بأن نؤدي النصيحة على أكمل وجه وأن نقبلها على أي وجه، وعلمتنا الدعوة أن مَن وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظ أخاه علانيةً فقد فضحه وشانه، كما قال الشافعي- رحمه الله-، وعلمتنا الدعوة أن تكون النصيحةَ في المجالس المغلقة حتى لا تُسوق وتتحول إلى فتنةٍ قاتلة، والنصيحة الخاطئة لا يصح معها ادعاء الإصلاح ولا تبررها النية الحسنة، ولله در القائل: "إذا طلبت الأجمل فاستر ولا تُخبر وتخلَّق بخلقِ الكرام"، وعلمتنا الدعوة أن ذكر مساوئ الرجل على الملأ عونًا على دمه، كما قال أبو معبد رحمه الله، وعلمتنا الدعوة أن الطعن في أصحاب الفضل والسبق من أكبر أبواب الفتنة، وعلمتنا الدعوة أن من شروط النصيحة أن يُقصد بالنصيحة وجه الله تعالى، وأن تكون برفق ولين، وأن لا يُقصد بها التشهير، وأن تكون سرًّا، وأن يختار لها الوقت المناسب، وألا تكون على سبيل الإلزام.

وعلمتنا الدعوة أننا تحكمنا قيم أصيلة في دعوتنا، مثل الحب في الله، وحسن الظن، والشورى، وتوقير الكبير، والرحمة بالصغير، ومعرفة حق القائد والعالم والسابق، وتقدير اللاحق، وحفظ سلامة الصدور، وأن نجتمع على الصواب خير من أن نتفرق على الأصوب، والدفع بالتي هي أحسن، وغيرها، وعلمتنا الدعوة حرية إبداء الرأي، والإدلاء بالدلو، والاستفهام في كثير من المواقف، والاعتراض والرفض في بعضها في سياج من الأدب وحسن الخلق، دون تسفيه أو تعدٍّ، وبذل الجهد في إقناع القيادة برأينا، وحشد الدلائل على ذلك، وهذا بالطبع يحتاج إلى جهدٍ جهيد، وصبر جميل، واستحضار للنيات الصالحة، والتخلص من حظ النفس، والاستعانة بالدعاء، واحتساب الأجر عند الله عز وجل، وعدم نسيان القواعد المرعية والآداب الشرعية التي تحكم كل ذلك، وعلمتنا الدعوة أته لا مجالَ بيننا للصائد في الماء العكر، يقول ابن عباس- رضي الله عنه-: "لا تكَلَّمن فيما لا يعنيك حتى تجد له موضعًا، ولا تُمار سفيهًا ولا حليمًا فإنَّ الحليمَ يغلبك، والسفيه يزدريك"، ويقول الإمام ابن تيمية: "فإن الأمرَ والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد، هو بميزان الشريعة".


حفظ الله دعوتنا وجماعتنا وقيادتنا وصفنا وإخواننا من كل سوء ، وثبتنا على الحق حتى نلقاه