السبت، ٢٧ أكتوبر ٢٠٠٧

صدق الإنتماء

صدق الإنتماء
بين نصرة الدعوة وحراسة الفكرة

تجمع أم جماعة
" إنه لا إسلام بلا جماعة ، ولا جماعة بلا إمارة ، ولا إمارة بلا طاعة " حقيقة خالدة أعلنها مدوية الفاروق عمر رضي الله عنه قبل ألف وأربعمائة عام ، قرر من خلالها أن قيام الإسلام لا يتحقق إلا من خلال جماعة تحمله وتنادي به وتدافع عنه وتجاهد في سبيله ، وهي مقولة يثبت الفاروق من خلالها بما لا يدع مجالا للشك أن الفارق كبير بين (التجمع ) و ( الجماعة )، فالفرق شاسع بين الاثنين ، التجمع يقوم وينفض ، تحكمه الآراء الشخصية والأهواء والرغبات ، ولا نظام يحكمه ولا قواعد تضبط حركته ، لكل شخص فيه رأيه المستقل وشخصيته المستقلة ، أما الجماعة فلها نظام ومنهج حياة وخطة استراتيجية وأهداف تكتيكية ، ولها نظام إداري وسلم تنظيمي ، واتصالات هرمية ، والجماعة لها لوائح وقوانين وبرامج وآليات عمل ، تذكرت هذه الكلمات بمعانيها ودلالاتها التربوية ، وأنا أتابع ما يقال وما يكتب هنا وهناك ، من هذا وذاك حول برنامج حزب الإخوان المسلمين ، وما تبع ذلك من تصريحات ، وهذه المواقف والأحداث وغيرها من أقوى وسائل التربية عند الإخوان ، فإن التربية بالمواقف هي العاصم من القواصم ، فهي تثبت قلب الواعي ، وتصحح الدرب للمضطرب ، وتقيم الحجة على المشكك .

شهوات أم شبهات
لم تخلو مرحلة من مراحل الدعوة من ثنائية العداء الأبدي لمخططات أعداء الإسلام ، فالتاريخ حافل بمؤمراتهم ، إما بمحاولة الإفساد بالشهوات تارة و بإثارة الشبهات تارة أخرى ، ونتيجة لذلك لم تخلو مرحلة من مراحل الدعوة من المشككين والمثبطين والمذبذبين للصف المسلم من داخله ، وجاءت الحقيقة القرآنية تؤكد ذلك " وفيكم سماعون لهم " لتحذر الصف من الاستجابة لمخططات الأعداء ، بل وقد يصل الأمر إلى الوقوع في المحظور " إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم " وقد يتطور الأمر إلى نسيان الغاية " منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة " ، وقد أدرك الإمام البنا تلك الحقيقة فقال " كم فينا وليس منا وكم منا وليس فينا " ، ويلفت أنظار الإخوان إلى خطورة الأمر وعواقبه الوخيمة ، وينبه إلى أهمية مراقبة الصف وتنقيته من الضعاف فيقول " وإن كان فيكم مريض القلب معلول الغاية مستور المطامع مجروح الماضى فأخرجوه من بينكم فإنه حاجز للرحمة حائل دون التوفيق " .

عواطف أم عقول
"ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول ، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف ، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع ، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة ، ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة " كلمات خالدة وجهها الإمام البنا رحمه الله لإخوانه ضابطا للصف المسلم من أن ينحرف في الفهم أو الفكر أو السلوك ، ومحققا لركيزة التوازن والاعتدال في منهجية التفكير الإخواني ، وحاميا للصف من أن تتلاعب به العواطف الجياشة المتحمسة أو العقول الناظرة المتفلسفة ، فلا تغليب للعقول على حساب العواطف ، ولا تلاعب بالمشاعر على حساب الأفكار ، بل إنها النظرة الموضوعية المتوازنة المعتدلة الراشدة من القائد المؤسس رحمه الله .

أهواء أم أصول
" إياكم وكل هوى يسمى بغير الإسلام " إشارة تحذير وجهها ميمون بن مهران رضي الله عنه ، لكل من تتجاذبه حلاوة الأهواء وعذوبة الآراء ، ونجد حادي الركب يذكرنا بهذا الخصوص ، لماذا كتب الإمام البنا الأصول العشرين ؟ ولمن كتبها ؟ وهل كانت من الأهمية بمكان حتى يجعلها أول ركن من أركان البيعة ؟

وتأتي إجابة الناصح الأمين ، لقد كانت الأصول العشرون وما زالت هي السياج الواقي للجماعة وأفرادها من الانحراف ، و السد المنيع أمام التأويلات الخاطئة في فهم الإسلام ، والحامي للصف من اتباع الظن وما تهوى الأنفس ، والضابط لكل حركات وأفعال وأقوال الإخوان هنا وهناك ، ولقد كتب الإمام البنا هذه الأصول من أجل وحدة الفكر والحركة والمنهج التربوي للجماعة وسط العواصف ، ولعدم بروز مدارس فكرية أو جماعات دخيلة وسط الجماعة ، ولعدم السماح بفكر دخيل أو فكرة مناهضة بسبب عاطفة جياشة أو تساهل مغرض أن تخترق الصف ، ولتحفظ للجماعة خطها التربوي والدعوي الأصيل وتنفي عنها خبثها ومحاولات الالتفاف عليها ، ولتكون في النهاية مرجعيتنا عند الاختلاف أو بروز صورة للانحراف ، فهي المعينة على سلامة العمل ، وعلى حسن التطبيق ، والتي تقي الجماعة وأفرادها من العثرات

وجهاء أم مغمورون
عبر تاريخ الدعوة كله ، لم يقع شق بالصف أو انحراف عن الغاية والوجهة بفضل الصوت العالي ، ولم يحدث أن كانت الصولة والجولة والريادة في الجماعة لأصحاب الرونق الإعلامي ، بل كانت الريادة لمن سبق وصدق ، وتحقق لهم وبهم وفيهم صدق الولاء والانتماء لهذه الدعوة المباركة ، فرجال هذه الدعوة ورجال هذه المرحلة وكل مرحلة هم الإخوان الصادقون من الإخوان المسلمين الذين آمنوا بسمو دعوتهم وقدسية فكرتهم وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها ، أويموتوا في سبيلها ، وإلى هؤلاء الإخوان وجه فضيلة المرشد العام مهدي عاكف كلمة في رسالته الأخيرة " ومن يرَ في السير على درب الدعوة وجاهةَ الساسة وأضواءَ النجوم؛ فقد خسر كلَّ الخَسَارة؛ إذ إن أصحاب الدعوات ليس عندهم من جزاء إلا ثواب الله إن أخلص رفيقهم، والجنة إن علم الله فيه خيرًا، وهم كذلك مغمورون جاهًا، فقراء مالاً، شأنُهم التضحيةُ بما معهم، وبذلُ ما في أيديهم، ورجاؤهم رضوان الله، وهو نعم المولى ونعم النصير." ووضح الأمر جليا قائلا " ولتعلموا أيها الإخوان أن أعظم ما يواجهكم من تحدياتٍ هو محاولةُ إيهان عزائمكم، والتشكيك في صحة نهجكم، ونُبل رسالتكم؛ ليدفع بكم خصومُكم صوبَ اليأس المُقْعِد، أو الشك المفرِّق، أو الاندفاع المتهوِّر" .

ثوابت أم متغيرات
ميز الله دعوة الإخوان عن غيرها برؤية واضحة مكنتها من أن تتوحد الجماعة - قيادة وأفرادا - في التصورات والمفاهيم ، وبالحسم في المواقف الصعبة ، واختيار منهج التغيير الأصوب القائم على منهاج النبوة ، وإدراك الفرق ما بين الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي ، فالفرق واضح بين الديني الثابت والثقافي المتغير، وبين ثوابت الحركة ومتغيرات السياسة ، إنها ثوابت العمل في دعوتنا والتي من خلالها تتبين لنا بعض قواعدنا التنظيمية :
· مَن يُخَطئ مَن ؟ ومَن يُحاسِب مَن ؟ وهل للفرد أن يخطئ الجماعة أم العكس ؟
· الفرق بين النصيحة ووعدم السكوت عن الخطأ والنقد البناء في مكانه الصحيح وبين فرض الرأي ، وأين تكون النصيحة ومتى وهل هي ملزمة .
· آليات اتخاذ القرار ما بين دوائر الشورى ودوائر اتخاذ القرار ، و الفرق بين الشورى والاستشارة ، وبين الشورى المنظمة الملزمة والاستشارة العفوية ، وبين مرحلة الشورى ومرحلة التنفيذ ، والاتزان بين الشورى الملزمة والقرار الملزم ، وسلوك الأقلية حيال القرارالملزم .

نصرة أم حراسة
إنما يقاس صدق الانتماء والولاء لهذه الدعوة المباركة في نفس الأخ الصادق بمدى قيامه بالمهمة المطلوبة منه تجاه دعوته في كافة الأحوال وتحت أي ظروف ، والبقاء على ذلك ثابتا محتسبا ، والمتمثلة في :
1. نصرة الدعوة : من خلال نشرها والدفاع عنها والتضحية في سبيلها ، فإنما تنجح الفكرة " إذا قوي الإيمان بها ، وتوفر الإخلاص في سبيلها ، وازدادت الحماسة لها ، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها "
2. حراسة الفكرة : في أفكارها وبنودها ، أصولها وثوابتها ، أركانها ودعائمها ، خصائصها ومميزاتها ، من أن تصاب بأي اختراق فكري ، وهذه الحراسة تتطلب مقومات أربع " إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه، والخديعة بغيره. على هذه الأركان الأولية التي هي من خصوص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة، تبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمناً طويلاً "

لحظة صدق
هي لحظة صفاء نفس ، نتذاكر فيها أهم ما يربطنا بهذه الدعوة المباركة وهذه الجماعة الخالدة ، و هي وقفة صادقة مع النفس نجدد فيها العهد مع الله ومع دعوتنا وجماعتنا :
· أن نبقي على ثقتنا في الجماعة ، فهي حصن الأمان لنا جميعا ، وهي سر بقاء الدعوة رغم ما تعرضت له من شبهات واتهامات والقيل والقال عبر تاريخها .
· أن نحافظ على عوامل القوة داخل الجماعة والتي تتمثل في : وحدتنا الفكرية والعضوية والتنظيمية – ترابط صفنا القائم على الأخوة تؤدي حقوق أخوتهم كاملة من الحب والتقدير والمساعدة والإيثار وأن تحضر اجتماعاتهم فلا تتخلف عنها إلا بعذر قاهر , وتؤثرهم بمعاملتك دائما – قبولنا للرأي الآخر داخلنا – تناصحنا – عدم السكوت على الخطأ – الجهر بالوعظ ولكن في مسكنه الطبيعي
· أن نعمل على نشر دعوتنا في كل مكان وأن نحيط القيادة علما بكل ظروفنا ولا نقدم على عمل يؤثر فيها جوهريا إلا بإذن , وأن نكون دائمي الاتصال الروحي و العملي بها , وأن نعتبر أنفسنا دائما جنودا في الثكنة تنتظر الأوامر، أن نتخلى عن صلتنا بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة فكرتنا وخاصة إذا أمرما بذلك .

مسك الختام
قالها لنا إمامنا الشهيد " أيها الأخ الصادق : هذه مجمل لدعوتك , وبيان موجز لفكرتك , وتستطيع أن تجمع هذه المبادئ في خمس كلمات:(الله غايتنا و الرسول قدوتنا و القرآن شرعتنا و الجهاد سبيلنا و الشهادة أمنيتنا) ، و أن تجمع مظاهرها في خمس كلمات أخرى : (البساطة والتلاوة والصلاة والجندية والخلق ) فخذ نفسك بشدة بهذه التعاليم , وإلا ففي صفوف القاعدين متسع للكسالى و العابثين .
وأعتقد أنك إن عملت بها وجعلتها أمل حياتك وغاية غايتك , كان جزاؤك العزة في الدنيا والخير والرضوان في الآخرة , وأنت منا ونحن منك , وإن انصرفت عنها وقعدت عن العمل لها فلا صلة بيننا وبينك , وإن تصدرت فينا المجالس وحملت أفخم الألقاب وظهرت بيننا بأكبر المظاهر , وسيحاسبك الله على قعودك أشد الحساب , فاختر لنفسك ونسأل الله لنا ولك الهداية و التوفيق " .

السبت، ٢٠ أكتوبر ٢٠٠٧

طريق الدعوة مثابرة وإصرار


"إن المسلم بقواه الكامنة، وملكاته المدفونة فيه، والفرص المحدودة المتاحة له، يستطيع أن يبنى حياته من جديد" كلمات سطرت بأحرف من ذهب، صاغها الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله يبصر الدعاة بطريقهم، ويبث فيهم روح المثابرة والإرادة والعزيمة ، ثم خاطب المسلم منا بقوله: "فلا تعلق بناء حياتك على أمنية يلدها الغيب، فإن هذا الإرجاء لن يعود عليك بخير. إن الحاضر القريب الماثل بين يديك، ونفسك هذه التي بين جنبيك، والظروف الباسمة أو الكالحة التي تلتف حواليك، هي وحدها الدعائم التي يتمخض عنها مستقبلك، فلا مكان لإبطاء أو انتظار".
ومن هنا يدرك الدعاة إلى الله أن أول عوامل النجاح، وتحقيق الأهداف الكبرى هو: التخلص من وهم (لا أستطيع مستحيل)، وهو بعبارة أخرى: التخلص من العجز الذهني، وقصور العقل الباطن، ووهن القوى العقلية. وتلك هي روح المبادرة، فإن الأخذ بالأسباب الشرعية والمادية يجعل ما هو بعيد المنال حقيقة واقعة، وقديماً قيل: "نصف الحياة حلم ونصفها الآخر حقيقة".. وكثيراً ما تتحول الأحلام إلى حقيقة أو العكس، "فأحلام الأمس حقائق اليوم".

المثابرة إرادة
"لا يوجد صعب تحت الشمس" عبارة قالها الناس في كل زمان ومكان. فما دامت هناك إرادة وتصميم وعزم بلغ الإنسان أعظم ما يتمنى، ولله در ابن القيم حينما قالها : " إن المؤمن لو عزم على إزالة جبل لأزاله " وصدق الإمام البنا حين قال: "إن الرجل الواحد في وسعه أن يبني أمة إن صحت رجولته".
الإرادة في اللغة: "أراد الشيء، بمعنى أحبه وعني به ورغب فيه" ، والإرادة هي القوة الخفية لدى الإنسان وهي تعني اشتياق النفس وميلها الشديد إلى فعل شيء ما، وتجد أنها راغبة فيه ومدفوعة إليه.. والإرادة قوة مركبة من: رغبة + حاجة + أمل.
ورحم الله الإمام البنا حينما أكد ضرورة توفر تلك الإرادة في العاملين للإسلام "إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف " ، بل إن الامام البنا لم يقف بالإرادة وتوافرها عند حدود دعاة الإصلاح فقط، بل يجعلها من ملامح الشخصية المسلمة التي تسعى الدعوة لإيجادها في أرض الواقع فقال: "نحن نريد نفوساً حية قوية فتية، وقلوباً جديدة خفاقة، ومشاعر غيورة ملتهبة، وأرواحاً متطلعة متوثبة. إن الإسلام يريد في الفرد وجداناً شاعراً يتذوق الجمال والقبح، وإدراكاً صحيحاً يتصور الصواب والخطأ، وإرادة حازمة لا تضعف أمام الحق، وجسماً سليماً يقوم بأعباء الواجبات الإسلامية حق القيام، ويصبح أداة صالحة لتطبيق الإرادة الصالحة وينصر الحق والخير".
فعلى قدر تحقق تلك الإرادة في نفوس أصحاب الدعوات وحملة الرسالات، وأتباعهم، يكون نجاح تلك الدعوات في الوصول لأهدافها.

روح المثابرة:
أخي الحبيب.. قد يتوقف الإنسان في أحد منعطفات الحياة، ولكن من لديه غاية لا يتوقف أبداً، وهذا هو الذي دفع الصحابة للعمل من أجل الفردوس الأعلى ، ولنا في الحبيب صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في المثابرة وقوة الإرادة. ففي حالات السلم نجده يعلنها قوية: "والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه" وفي حالات الجهاد نجده يعلنها أيضاً قوية: "والله لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي".
ومن أثر تلك المثابرة والإرادة القوية، تربت أجيال الصحابة الكرام، فنجد كلمات أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقت الردة خير تعبير عن أثر تلك التربية النبوية "أينقص الدين وأنا حي! والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه"، وقوله: "ولو خالفتني يميني لجاهدتها بشمالي"وفي سيرة الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز يرحمه الله ما يوضح لنا قصة إنجاز ورواية مجد، فها هو يروي عن نفسه فيقول: "إن لي نفس تواقة كلما وصلت إلى شيء تاقت إلى ما هو أعلى منه، وقد وصلت إلى الخلافة، وقد تاقت نفسي إلى الجنة"، ويقول أيضاً عن نفسه في رواية أخرى: "إن لي نفسا تواقة، لقد رأيتني وأنا بالمدينة غلام مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم وإلى العربية والشعر، فأصبت منه حاجتي وما كنت أريد، ثم تاقت نفسي وأنا في السلطان إلى اللبس والعيش والطيب، فما علمت أن أحد من أهل بيتي ولا غيرهم كان في مثل ما كنت فيه، ثم تاقت نفسي إلى الآخرة والعمل بالعدل، فأرجو ما تاقت نفسي إليه من أمر آخرتي".

المثابرة طريق لا نوم فيه
جاءنا عن الحبيب المصطفى قوله "ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة"، ولكن لابد للسلعة الغالية من بذل ثمن مناسب يليق بها.. ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر..!! وسيدفع من أجل (عينيها) كل ما يستطيع بطيب نفس، وسلعة الله غالية.. بل غالية جداً وعزيزة.. فمن رغب فيها بجد، فليعزم على ألا ينام في عرض الطريق.
ولقد طلبت السيدة خديجة رضي الله عنها من حبيبها وقرة عينها محمد صلى الله عليه وسلم أن ينام.. فقال لها: "مضى عهد النوم يا خديجة"!! نعم.. مضى عهد النوم، ولا راحة في الطريق حتى يضع الدعاة أقدامهم في الجنة. نطق بذلك الفاروق عمر "الراحة للرجال غفلة"، وأكد المعنى نفسه الإمام أحمد بقوله: "لا راحة للمؤمن إلا في الجنة".
فلا تعرف عيون المشتاقين النوم أو الغفلة، ولا تعرف عيون الخائفين الراحة أو السكون، بل هو الجد والعمل والاجتهاد والمثابرة الدائمة.
فحاول أخي الداعية، أن تكون يقظاً على الدوام.. يقظاً مع الله.. مشدوداً إليه.. واستمت في مواصلة الرحلة مهما حدث، وامض في إصرار وملء قلبك ثقة بربك الكبير المتعال.. فإذا أنت هناك!! في جنة الخلد مع الحبيب المصطفى.

الطموح كنز لا يفنى
لا يسعى للنجاح من لا يملك طموحاً، ولذلك كان الطموح هو الكنز الذي لا يفنى، فكن طموحاً وانظر إلى المعالي، فإن الرجل الواحد بوسعه أن يبني أمة إن صحت رجولته ، وهذا ما يفسر لنا سر تحول العرب بعد دخولهم الإسلام، فبعد أن كانوا أناساً خاملي الذكر، أصبحوا بالإسلام قوة جبارة تحكم العالم بالعدل والسلام، وخرج منهم علماء في شتى مجالات الحياة، رغم ما بهم من عجز، إلا أنهم كانوا قادرين على تفجير ما لديهم من طاقات ولو كانت محدودة، فأناروا العالم بنور العلم الذي بهداه تقدم الغرب، وصنعوا حضارتهم الحالية التي ننبهر من روعتها؛ رغم أنها وليدة حضارتنا الإسلامية والتي نجهل قوتها الكامنة.

صور رائعة
1 تجربة الإمام الشافعي: فقد ولد الإمام الشافعي سنة 150 هجرية، في العام نفسه الذي توفي فيه الإمام أبوحنيفة. وعندما شب محمد بن إدريس الشافعي دفعت به أمه إلى مكتب في مكة لحفظ القرآن، وكانت الأسرة فقيرة، فلم تجد أمه ما تدفعه للمعلم.. فكان المعلم مهملاً في تحفيظه القرآن، ولكن الشافعي هذا الفتى الصغير كان يستمع إلى ما يحفظه المعلم لرفاقه فيحفظه، حتى إذا قام المعلم من مجلسه جلس الشافعي ليحفظ قرناءه ما قرأه عليهم المعلم ، لاحظ هذا معلمه فقال: ما تبغي؟ فقال له الشافعي: أُعَلِّمُ قرنائي، على أن تعلمني أنت.. وأكفيك أمر الصبيان. وافق المعلم على هذا، وأعفاه من الأجرة، واستمر هذا الحال حتى حفظ الشافعي القرآن وهو ابن سبع سنين .
2ابن القيم: أتدري كيف كتب كتابه القيم (زاد المعاد)؟ لقد كتبه وهو مسافر، متحدياً مصاعب السفر ومشاقه.3 شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، كتب غالب فتاواه الكبرى وهو في السجن، رغم مرارة الظروف وقلة المعين.

لأصحاب الأعذار سبق
1 أبو العلاء المعري الذي اعتل بالجدري في السنة الرابعة من عمره، فعمي منه، وقال الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة، حتى إنه قال مرة: "أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر". ولزم بيته وسمى نفسه "رهين المحبسين"، أي حبس نفسه في منزله، وحبسه بصره بالعمى. يقول عن عماه:
إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل وفي فمي صارم بالقول مشهور
2 ابن الأثير: كان مقعداً، ومع ذلك ألف كتبه الرائعة "كجامع الأصول والنهاية في غريب الحديث... الخ".3 الإمام الشاطبي صاحب القصيدة المشهورة في القراءات والمعروفة ب"الشاطبية" فقد كان ضريراً، وكان إذا ما قرأ الناس عليه البخاري ومسلم والموطأ، صحح لهم النسخ من حفظه.
4 مصطفى صادق الرافعي أحد كبار الكتاب وأدباء العصر الحديث، ولم ينل سوى الشهادة الابتدائية، إذ مرض بعدها بالتيفوئيد، وأصيب بصمم في أذنيه، وحبسة في صوته، وكان هذا سبباً يباعد بينه وبين الناس من ناحية، ويحثه على البحث والمطالعة من ناحية أخرى.

وعلى الطريق رجال
وتبرز لنا أمثلة في مثابرة الدعاة وإصرارهم يقتدى بها من رجالات الدعوة الحبيبة:
1- ولعل أولها تجربة الإمام الشهيد حسن البنا يرحمه الله، والذي استطاع خلال فترة قصيرة أثناء تواجده في الإسماعيلية (ستة أشهر) أن يؤسس جماعة الإخوان المسلمين، وانطلق بها خلال فترة محدودة من الزمن (15 عاماً) لتصل إلى 20 قطراً عربياً وعالمياً، وأن يؤسس لها 2000 شعبة في مصر وحدها، ويطوف بنفسه بأكثر من أربعة آلاف قرية، وها هي دعوة الإمام اليوم تتواجد في أكثر من 90 دولة في العالم.
2- ومن هؤلاء الشهيد كمال السنانيري، ومن بعده تلميذه عبد الله عزام يرحمه الله- وما صنعه في بلاد الأفغان، ونقل الكثير من التجارب، والفقه التربوي، وصار قدوة للمئات من الشباب، وأذكى روح الجهاد، وهي تجربة ابتدأت فردية، ثم اتخذت الطابع الجماعي من خلال التجربة والحوار.
3- وتأتي تجربة الداعية الإيجابي (د.عبدالرحمن السميط) الذي آلمته المجاعة في إفريقيا، فترك مهنة الطب، والعيش الفاره، وبدأ عمل الإغاثة بمجهود فردي، وصب كل أفكاره فيها، حتى تحول بإذن الله تعالى ثم بمؤازرة إخوانه العمل الإغاثي من جهود فردية إلى منظمة كبيرة تخدم الكثير من الدول وتؤسس العديد من المشاريع في إفريقيا، وتحولت إلى سمة بارزة في العمل الإسنادي، وصار مثالاً يحتذى في خدمة القضايا الإسلامية.4- الشيخ القعيد أحمد ياسين والذي استطاع رغم ما به من شلل تام وأمراض مزمنة عديدة أن يحدث صحوة وحركة إسلامية جهادية أقضت مضاجع اليهود في أرض الإسراء والمعراج، وظل يجاهد وينافح عن دين الله وعن قضية المسلمين الأولى حتى نال الشهادة.

لنا فيهم عبرة
أخي الحبيب
· فكر في هؤلاء العظماء والنتائج الرائعة التي وصلوا إليها في حياتهم، بعد أن أخذوا عهداً على أنفسهم ألا يقبلوا بأقل من المستوى الذي حلموا به .
· تأمل حياة العظماء، وعلى رأسهم رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
· ادرس سيرة الصحابة رضوان الله عليهم والصحابيات رضوان الله عليهن.
· تفكر في سير العلماء من القادة والمصلحين من أهل الشرق والغرب: ابن سينا وابن حيان والفارابي وخالد بن الوليد وسيف الدين قطز وإسحاق نيوتن وأينشتاين وحسن البنا وإبراهام لينكولن وهيلين كيلر وماري كوري والمهاتما غاندي وغيرهم من الناجحين الذين قرروا وبكل قوة وعزم أن يخطوا خطوة إيجابية رائعة في حياتهم أياًّ كانت معتقداتهم وقناعاتهم وأن يرفعوا من قواميسهم كلمة "مستحيل".
فالقوة التي توافرت لديهم متوافرة لك أيضاً، وستكون أيضاً بين يديك، فقط إذا كانت لديك الشجاعة لكي تحصل عليها. إن تغيير المنظمات والشركات والدول أو العالم كله يبدأ بخطوة واحدة بسيطة وهي (أن تغير نفسك) .

كيف تغير نفسك لتكون داعياً مثابراً؟
إنه طريق طويل، ولكنه سهل. وهذه بعض القواعد التي تمهِّد لك الطريق للوصول إلى المثابرة ، مقتبسة من مقال بعنوان " كيف تغير نفسك ":
1. حسن الصلة بالله وتقوية الإيمان .
2. تصحيح النية، وسلامة القصد، وعدم حصول الهوى، أو غلبة الشبهة.
3. الهمة العالية: فرب همة أيقظت أمة، وقد قيل عن الشيخ ياسين رحمه الله: "شيخ قعيد، أيقظ أمة ونال الشهادة، فمتى يصحو صحيح البدن قعيد الهمة"؟
4. العلم التكويني: أي العلم الذي يدفع صاحبه للعمل لا التنظير "إن العلم إمام العمل، وقائد له، والعمل تابع له ومؤتم به،...".
5. الرضا بالله وبقضائه، والنظر إلى الأمَام، والابْتَسِامْ في مواجهة الصعاب والآَلام والمتاعب، والسْعاَدةْ بالأيام مهما كانتَ مُثْقَلة بالواجبات.
6. العيِشْ في الحاضر، والسْعي إلى المستقبل دون بكاء على الماضي. وليكن الماضي وسيلة للاعتراف بالأخطاء إنْ وُجِدَتْ، كي تتعلَّم منه دروساً لحاضرك ومستقبلك.
7. التخَلص من الحقد والكراهية، فهما أهم أسباب عدم الرضَّا عن النفس ، ولا تكنْ مثل الذين يعيشون في إطار ضَيِّقٍ، دون أن يمتزجوا بالحياة الواسعة.
8. ارفع رأسك، وتطلّع نحو القمة، ثم شمر إليها، ولك أجر نيتك، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، وحاول جاهداً أن تصل، ابذل ما بوسعك، ولا تبقِ من وسعك شيئاً.. (ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها)
9. هيئ نفسك أن تجعل من كل عثرة تقع فيها، سلَّماً نحو خطوة أفضل ، وهيئ نفسك أنك مع كل (فشل) في محاولة، بأنه آخر هزائمك في معركتك الضارية مع الشيطان وجنوده، وبعدها سوف تستلم أنت دفة القيادة في أمان ، ولك في توماس أديسون العبرة ، إنه مخترع الكهرباء الذي قام ب 1800 محاولة فاشلة قبل أن يحقق إنجازه الرائع، ولم ييأس بعد المحاولات الفاشلة التي كان يعتبرها دروساً تعلم من خلالها قواعد علمية وتعلم منها محاولات أدت به في النهاية إلى اختراع الكهرباء
10. تجمّل بالإصرار على مواصلة الطريق إلى الله، رغم كل ريح تعترضك في هذا الطريق وحاديك في ذلك قوله تعالى ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ).
ولا تنسَ في الختام: أن يبقى قلبك معلقا ًبالله سبحانه، مشدوداً إليه، مرتبطاً به، لا يبرح أعتابه، ولا يلتفت إلى غيره.. ولا يرجو سواه.. متضرعاً إليه، لاهجاً بذكره، واثقاً بموعوده، شاكراً إياه على كل حال.وحين يراك سبحانه على هذه الصورة المشرقة المتلألئة: سيفتح لك أبواباً من حيث لا تحتسب.. وسيفتح أمامك آفاقاً رحبة لم تكن تدر في بالك يوما (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين )فهيا نشمر عن ساعد الجد والاجتهاد، والمثابرة والإصرار، من أجل دعوة الله الخالدة، ومن أجل جنة الله الغالية.



الاثنين، ٨ أكتوبر ٢٠٠٧

انقضى رمضان

انقضى رمضان
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت


انقضى رمضان .. بصيامه وقيامه ، وركوعه وسجوده ، وتراويحه وتهجده ، وانقضت عشر الرحمة وعشر المغفرة وعشر العتق من النار ، وارتحلت أيامه ولياليه ، حاملة معها أغلى الأوقات وأحب الساعات ، وفي جعبتها العبادات المتواصلة ، والتلاوات المرتلة ، والصلوات الخاشعة ، والأذكار المتجددة ، واستغفارات الأسحار ، وسجدات الليل والنهار ، ودمعات التائبين ، وأنين المستغفرين ، وبكاء المبتهلين .

انقضى رمضان .. بموائده الربانية الحافلة بالخيرات من رب السموات ، مضى شهر الذكر والقرآن، شهر البر والإحسان، شهر الإرادة والصبر، شهر الإفادة والأجر، شهر الطاعة والتعبد، شهر القيام والتهجد، شهر زيادة الإيمان ، ومضت أيامه المليئة بالسرور ، ولياليه المشرقة بالنور ، ومضت 30 يوما بل 30 عيدا من أعياد القلب والروح .

انقضى رمضان .. ولكن نفوس الصادقين لا زالت على العهد ، تردد مع الحبيب صلى الله عليه وسلم " وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت " إنه الحداء الخالد الذي ردَّده الحبيب- صلى الله عليه وسلم- صباح مساء في حديث سيد الاستغفار ، فتربى الصحابة الكرام على هذا العهد، وعاشوا به في رمضان وفي غيره، فكانوا يسعون إلى الله شوقًا، ويطلبون وصاله سبحانه وتعالى في كل وقت وحين ، وسار على الدرب من بعدهم التابعون والصالحون

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. نداء وحداء تردده النفوس التي سطعت فيها شمس الإيمان ، والقلوب التي حيت بالقرآن ، والأرواح التي قويت بها الإرادة من بعد ضعف، وعلت بها الهمة من بعد انتكاس، واشتد بها العزم من بعد فتور .
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. فقد ألقيت في قلبي حب المسجد والارتباط به في رمضان ، وحب الصالحين والمكث معهم ، فأعاهدك يارب .. وأردد لك مع العبد المنيب (عائد أنا من حيث أتيت ، عائد أنا لمسجدي ، عائد إلى الصلاة والركوع والسجود ، عائد إلى الطريق خلف أحمد الرسول ) ، وألا أترك صحبة الصالحين ومجالسة المؤمنين ، وأن أحافظ على البيئة الصالحة المعينة لي على طاعتك.

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. لقد تذوقت في رمضان حلاوة الصيام والقيام إيمانا واحتسابا ، وأعاهدك يارب أن اجعل كل أعمالي وأفعالي وأقوالي إيمانا واحتسابا ، سأجعل صيامي بعد رمضان إيمانا واحتسابا ، وسأجعل طلبي للعلم إيمانا واحتسابا ، وسأجعل أمري بالمعروف ونهيي عن المنكر إيمانا واحتسابا ، وصبري وجهادي إيمانا واحتسابا ، وعملي ودراستي وخروجي ودخولي إيمانا واحتسابا .

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. لقد ملكتني القدرة على الصيام شهرا كاملا فامتنعت عن الحلال فيه إضافة إلى الحرام ، فأعاهدك يارب أن أمتلك ذات القدرة والإرادة على ترك المحرمات واجتناب المنكرات ، والمحافظة على جوارحي من الوقوع في الشهوات والمحرمات ، ومواصلة السير إليك بإرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر .

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. فقد أعنتني على القيام مع الإمام مهما أطال التلاوة في التراويح وفي تهجد الليل ، ومنحتني القدرة على قيام الليل بالساعات الطوال ، فأعاهدك يارب ألا أترك صلاة في جماعة خلف الإمام ، وأن آخذ بنصيبي من القيام طوال العام وألا أقصر فيه ، فهو شرف المؤمن ، وفيه لذة الأنس بك وحلاوة مناجاتك .

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. لقد شرحت صدري بتلاوة القرآن ، وأعنتني على ختمه في رمضان مرة ومرتين وثلاث ، فأعاهدك يارب ألا تصرفني أعمالي عن وردي القرآني ، وألا تأخذني شواغل الدنيا وزخارفها عن حزبي من القرآن وألا أقع في هجر القرآن أبدا (تلاوة أو تدبرا أو حفظا أو فهما أو سماعا) ، وأن أحمل مصحفي دائما في جيبي .

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. فقد ألهمتني في رمضان أن خير الناس أنفعهم للناس ، فأعنتني على خدمة الآخرين وهدايتهم وقضاء حوائجهم ، فأعاهدك يارب ألا أنقطع عن خدمة أمتي ومجتمعي ، وأن أهب وقتي وجهدي وصحتة وعافيتي ومالي وما أملك لدينك ودعوتك ورسالتك .

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. فقد ربيتني على مكارم الأخلاق في رمضان ورزقتني قوة خلق أمام من سابني أو شتمني بقولي " إني صائم " ، فأعاهدك يارب أن أحافظ على أخلاق الإسلام في كل معاملاتي ، وأن أتمتع بحسن الخلق مع أهلي وجيراني وزملائي وإخواني ، في البيت وفي الشارع ، في المدرسة والكلية ، في الشركة والمصنع ، في المسجد والمكتب .

وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت .. فقد أحييت قلبي ونفسي في رمضان ورددتني إليك وجعلتني حييا عفيفا ، فأعاهدك يارب أن أبقى حيا وحييا قلبا وقالبا ، وأن أعظمك في قلبي في كل وقت وحين ، وأن أداوم على الأعمال الصالحة التي تقربني إليك ، وأن أبقى محافظا على نعمة الطاعة وعدم قلبها إلى نقمة المعصية ، وألا أكون " كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا " .

" ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما "

اللهم أعني على الوفاء بعهدي ووعدي معك
و أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
و أعني على السير خلف رسولك وحبيبك
و اجعل موعدنا بحبوحة جناتك وجنانك

الخميس، ٢٧ سبتمبر ٢٠٠٧

برنامج العشر الأواخر الذهبية

مشاريع ربانية في رمضان


بين يدي المشروع :
أخى الحبيب ... هنا تشرق أنوار الإيمان ، وهنا تختم الآلام والأحزان ، وهنا بكى وتحسر وندم الشيطان ، حيث أيام العتق من النار ، إنها الأيام التي تسرع بك الخطى إلى النعيم المقيم في جنات النعيم، هنا بركة الزمان والمكان ، يقول الحسن البصري : ( إن الله عز وجل جعل رمضان مضماراً لخلقه يتسابقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا , وتخلف آخرون فخابوا , فالعجب من الضاحك اللاهي فى اليوم الذى يفوز فيه المحسنون ويخسر المبطلون ) فهلم إلى قافلة المؤمنين والحق بركب الفائزين ، وهنيئاً لك فأنت الآن على أولى درجات الجنة .

شعار المشروع : ( لن نبرح بابك حتى تعتق رقابنا من النار)

لماذا المشروع ؟
· دعاء ورجاء طمعا في قوله تعالى ( اذهبوا فقد غفرت لكم ) .
· نداء وحداء حرصا على تقوية ربانيتنا والتي هي زادنا ووقود حركتنا الدعوية والتربوية
· استجابة لما جاءنا عن عائشة رضي الله عنها " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله "

فكرة المشروع :
استغلال عشر العتق من النيران الاستغلال الأمثل ، والاعتكاف ولزوم المسجد والمكث فيه فترة معينة بنية التقرب إلى الله تبارك وتعالى ، وتفريغ القلب عن شغل الدنيا وتسليم النفس إلى المولى سبحانه وتعالى ، وهو سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان ومستحب في غيرها.

أهداف المشروع :
· أن نخرج من رمضان وقد غفر الله لنا وأعتق رقابنا من النار .
· أن نرفع همتنا الإيمانية ونزيد صلتنا بالله .
· أن نحيي سنة النبى صلى الله عليه وسلم بالإعتكاف في العشر الأواخر.
· أن نحقق مشروع الرباط : ( ترتبط قلوبنا بالمساجد ، الصلاة على وقتها ، صلاة الجماعة ، صلاة التهجد ، قراءة القرآن ، الأذكار، السنن والنوافل ... ) .



ضمانات نجاح المشروع :
· التعاون مع إخوانك في تنفيذ المشروع بشكل جماعي .
· تجهيز الأولاد والزوجة للإعتكاف ، بحيث يكون اعتكاف الزوجة والبنات عدد 3 أيام على الأقل ، اعتكاف الأبناء مع أقرانهم طوال العشر .
· تهيئة المحتمع وحثه على إحياء سنة الإعتكاف ، دعوة 10 لإعتكاف العشر ، و دعوة 25 لإعتكاف ليلة 27 .
· الدعاء والتوسل إلى الله بأن يعيننا على تنفيذ المشروع كما ينبغي .
· جدد النية والعزم دائما ، واستشعر أن نية المرء أبلغ من عمله.
· اجتهد أن تنفذ المشروع بكل عناصره ، وإلا فابدأ بما تقدر عليه ، وسدد وقارب ولا تيأس .

توصيات خاصة بالبرنامج :
1- الالتزام التام بالبرنامج وأهدافه ، والتعاون فى القيام بواجبات الاعتكاف ، وتقديم العون للآخرين بحب واحترام ، والتأدب بآداب الإسلام فى المعاملة ، والحرص على المشاركة بفاعلية فى النقاش والحوارات .
2- الاستقرار بالمسجد وعدم الخروج إلا لعذر ، كأصحاب الأعمال و طلبة المدارس والجامعات يخرجون للعمل والدراسة ويعودون مباشرة
3- الإكثار من الاختلاء بالنفس والتنافس في فعل الخير ، والمداومة على السنن والنوافل ، والمحافظة على الأذكار والأدعية ، وتعهد قراءة القرآن وحفظ شئ منه ، والمبادرة إلى قيام الليل وصلاة التهجد.

ختاما أخي الحبيب تذكر ... أنك حين تسلك الطرق فتجدها قد سدت ، وتطرق الأبواب فتجدها قد أغلقت فاعلم ، أنه سبحانه إنما سد عليك الأبواب كلها لتطرق بابه
وأنه اشتاق إلى أن يسمع منك نغمات هتاف : يارب يارب

( اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا )

الجمعة، ١٠ أغسطس ٢٠٠٧

المسألة التركية وتوضيح المفاهيم

بقلم: جمعة أمين عبد العزيز

لا شك أن ما حدث في تركيا من فوز حزبٍ يُحسَب على الإسلام وتوجُّهاته يُدخِلُ السرور على قلب كل مسلم غيور على دينه، ويتمنَّى تمكينَ دين الله على الأرض، بل نفرح لكل جهد مشكور قلَّ أو كثُرَ لصالح الإسلام، تقوم به أي جماعة أو أفراد.

وليس هذا بالأمر الغريب على المسلمين منذ جيلهم الأول بل وفي حياة الرسول- صلى الله عليه وسلم- فقصَّة فرحة المسلمين بانتصار الروم أهل الكتاب على الفرس المجوس أثبتَها القرآن؛ حتى لا يستنكر هذه المشاعر أحدٌ، فقال: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: 2- 5).

فكيف لا يفرح المسلمون اليوم بانتصار حزب العدالة والتنمية على العلمانيين، الذين يحكمون تركيا منذ سقوط الخلافة حتى اليوم، والذين فصلوا الدين عن الدولة، ولم يعزِلوا الإسلامَ عن الحكم فحسب، بل حاربوه في مظاهِرِهِ، ابتداءً من (الطاقية) إلى حجاب المرأة المسلمة، وانتهَوا إلى إلغاء اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، بل وارتبطوا ارتباطًا عضويًّا وروحيًّا وقلبًا وقالبًا بالمشروع الغربي.

إن الذي نشاركُهم فيه ونقرُّه لهم هو أمرٌ يتصل بالمشاعر القلبية، التي لا يعارضها الشرع الحنيف، ولكن ما يتصل بالمقاصد والغايات ومنهج التغيير والإصلاح أمرٌ يحتاج إلى تبيان وتوضيح، كي نضَعَ النقاط على الحروف، ونؤكد عليه ليستبين التصوُّر السليم بمنهاجه القويم؛ حتى لا تزِلَّ قدمٌ بعد ثبوتها، حين يرى البعض هذا الانتصارَ، فقد يشعرون باستطالة طريقنا، وبُعد الغايات، وعدم تحقيق الأهداف البعيدة، بل واستحالة تحقيقها بهذا المنهج الذي آمنَّا به وطبَّقناه، من وجهة نظرهم.

من الخطأ أن نعقد المقارنات الخاطئة بين مَن وصلوا إلى السلطة والحكم دون أن يحدِثوا تغييرًا إسلاميًّا فعليًّا وجوهريًّا في طبيعة المجتمع، أفرادًا وأُسرًا ومجتمعًا.. وبين مَن أحدثوا تغييرًا إسلاميًّا ويسعون لإقامة الدين، كما بيَّنت الآية الكريمة ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: من 13)، وكما قال مرشدنا الأسبق: "أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقُم على أرضكم" وفرقٌ كبير بين الوصول إلى الحكم وإقامة الدين على الأرض.

إن الذي حدث في تركيا لا بد أن يكون واضحًا لدينا؛ حتى لا تتداخل الغايات بالوسائل، والأهداف البعيدة بالقريبة، وحتى لا تقول: ليتنا نسلك نفس المسلك كي نحقق ما حققوه..!! أقول: الذي حدث في تركيا هو وصول لسدَّة الحكم والسلطة، وهذا ما كانوا يسعَون إليه بكل وسيلة، وهم لا ينكرون ذلك كهدف لهم يُرتجَى ويَسعَون إليه بكل جهدهم ووسائلهم المشروعة، وفي سبيل ذلك كان كل همِّهم التجمُّع لا الجماعة التي لها توجُّهاتُها ومنهجُها وأهدافُها ووسائلُها، بل وغاياتُها وخطتُها ومنهجُها النبوي في التغيير.

فقد حدث ما يقرب ذلك مع الترابي في السودان وإن اختلفت الوسائل، فإن الذي حدث في تركيا حدث بالأسلوب الديمقراطي، وأما الذي حدث في السودان فكان انقلابًا عسكريًّا، والذي ترفضه رفضًا قاطعًا جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن هدف الترابي أيضًا كان الوصول إلى الحكم والسلطة، ومنهج الإخوان يختلف اختلافًا واضحًا عن هذا وتلك، ولكلٍّ طبيعته وظروفه، إلا أن منهج التغيير يجب أن يكون ثابتًا ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

تقول بعض التحليلات عن التجربة التركية: تعتبر تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا إحدى تجارب الإسلام السياسي في تاريخ الأمة العربية والإسلامية الحديث والمعاصر، إلا أن هذه التجربة غير قابلة للتطبيق في حالة الإخوان المسلمين في مصر لعدد من الأسباب التي من أهمها:

أولاً: التزام أردوغان بقواعد العملية السياسية التركية وبأحكام الدستور، حتى وصلت به المواءمة السياسية إلى الإعلان علنًا أنه ملتزمٌ ليس فحسب بالطبيعة المدنية في إطار مرجعيته السياسية، بل قال إنه ملتزمٌ بهويَّة تركيا العلمانية، لدرجة السكوت على الثورة التي حدثت من العلمانيين؛ بسبب حجاب زوجة وزير الخارجية عبد الله جول عند ترشيحه لمنصب الرئيس؛ حيث قال قائلهم "إنه ليس من الممكن أن تكون السيدة الأولى فى تركيا محجبة"!! وقالوا: "إن دخول زوجة جول المحجبة- السيدة خير- إلى قصر الرئاسة التركي الذي أسَّسه أبو العلمانية التركية أتاتورك أمرٌ يخالف كافةَ القيم العلمانية التركية ويخالف الدستور"!!

ومما زاد الطين بلَّةً أنَّ أوردغان نفسه لم يستطع إتمام تعليم ابنته المحجَّبة في تركيا، بسبب منع الحجاب في الجامعات التركية فأرسلها إلى الولايات المتحدة لاستكمال تعليمها.

هذه هي العلمانية التي قال عنها أردوغان إننا لن نحيد عنها ولن نغيِّر فيها أيَّ شيء، بل ما جئنا إلا للمحافظة عليها، وهذا هو خيار حزب العدالة والتنمية، وهذا خيارٌ لا يمكن للإخوان في مصر أن يتبنَّوه على أي شكل من الأشكال؛ لأن الإخوان مع التزامهم بالدستور المصري؛ لأنه يقول إن الدين الرسمي للدولة هو الإسلام، وإن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، لا يمكن لهم قبول كامل قواعد اللعبة السياسية التي وضعها النظام المصري الحاكم منذ خمسة عقود، سواءٌ على مستوى المبادئ الحاكمة، أو الممارسة السياسية، من قبول لمؤسسات شكلية، وفساد سياسي واقتصادي وإداري واجتماعي موجود، وإلا فقَدَ الإخوان مصداقيةَ ما يطرحونه من برامج وأهداف، وبالتالي سوف يفقدون أهم عناصر قوة الجماعة وهو عنصر الشرعية الجماهيرية، وتأييد الشارع المصري والعربي والإسلامي لهم، والذي قبِلَهم وأيَّدَهم بسبب أجندتهم هذه.

ثانيًا: أن التيار الإصلاحي (تيار الإخوان) بأجندته يرمي إلى إحياء تجربة الأمة الإسلامية الواحدة، وإعادة الواجهة الحضارية القديمة لها، واستعادة دورها الريادي العالمي في كل المجالات، وهذا لا ينادي به أردوغان، فتياره يعمل داخل حدوده فحسب، ولا يطرح أجنداتٍ إسلاميةً ذات طابع عالمي، وهو الأمر الذي لا يقلق الغرب الأمريكي والأوروبي بل والصهيونية العالمية، بعكس التيار الإخواني ذي الأجندة التي تتجاوز حدود قطره، ويمثِّل خطرًا على المشروع الأمريكي الصهيوني العالمي، لأجندته ومشروعه الإسلامي المتكامل، والذي يشمل العالم الإسلامي بأسره، والذي ينادي به الإخوان، وهو أحد أهدافهم الكبرى لاستعادة الخلافة الإسلامية وليس الاستعداد لتغييره لأنه مبدأ ثابت عندهم.

ثالثًا: إن للإخوان ثوابت لا تحيد عنها ولا تتغير، كقضية الاعتراف بـ"إسرائيل" وبيت المقدس وغيرها من القضايا المهمة والتي هي على غير المواءمة السياسية لحزب العدالة والتنمية، فما زالت تركيا عضوًا في حلف شمال الأطلنطي (الناتو) الذي يضرب المسلمين في أفغانستان ويحيك المؤامرات في بلاد المسلمين إلى يومنا هذا، ولا تزال تحتفظ بعلاقات مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، ويعلن أردوغان المحافظة على هذه العلاقات.

وهذا هو الفارق الذي جعل الغرب يتقبَّل حزب العدالة والتنمية بينما يرفض حماس في فلسطين، بل بمجرد أن يفوز الإخوان بعدد من المقاعد في مجلس الشعب يعلن الحرب عليهم، فما بالكم لو دخل الإخوان المسلمون إلى الحكم وهم عازفون عنه..؟! لا بد أن يظهر العَدَاء الغربي الصريح ويعمل أصحاب المشروع الغربي الصهيوني جاهدين لإسقاط تجربتهم في الحكم إن حدث ذلك.

إن المجتمع الذي يريده الإسلام هو:
1-مجتمع رباني، يستمد كلَّ مقوماته من أوامر الله وتوجيهاته وحكمه.
2-يتجه إلى الله بكل شعوره ووجدانه وعمله.
3-مجتمع.. العقيدة أساسه، والشعائر مظهره وتعظيمه، والأخلاق ضمانه، والشريعة ترجمته العملية.
4-الواجبات فيه كلها مطلوبة، والمحظورات كلها منهيٌّ عنها، وبين ذلك المندوبات والمكروهات والمباحات، وتأمَّل موقف ربعي بن عامر مع قائد الفرس حين قال له: "إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن
جَور الحكام إلى عدلِ الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة"، فأي ثباتٍ ووضوح في مثل هذا الموقف.

واستمع إلى الإمام البنا يوضح لنا ذلك فيقول: "نحن نريد الفرد المسلم، والبيت المسلم، والشعب المسلم، ولكننا نريد قبل ذلك أن تسود الفكرة الإسلامية حتى تؤثر في أوضاعنا جميعها، وتصبغها صبغةً إسلاميةً وبدون ذلك لن نصل إلى شيء".

نريد أن نفكر تفكيرًا استقلاليًّا يعتمد على أساس الإسلام الحنيف، لا على أساس الفكرة التقليدية التي جعلتنا نتقيَّد بنظريات الغرب واتجاهاته في كل شيء، ونريد أن نتميَّز بمقوّمات ومشخِّصات حياتنا كأمة عظيمة مجيدة، تجرُّ وراءها أقدمَ وأفضلَ ما عَرَف التاريخ من دلائل ومظاهر الفخار والمجد".

الانطلاق في رحاب الإيمان

إن الانطلاق في رحاب الإيمان ينمِّي الشخصيةَ المستقلةَ التي تتخلَّص من الإمَّعيَّة والغثائية، بتربية تُخرج لنا نماذجَ فذَّةً، متعددةَ القدراتِ والأفهامِ، يكون بها كلُّ مسلم نسيجًا وحدَه، يختلف عن الآخرين، وهذا التنوُّع والاستقلال أساسٌ لقيام مجتمع لا يطويه التشابُه الأصمّ، والتجريد المُميت، وإنما تتكامل فيه عناصر الإبداع، ومقوِّمات التنوُّع، فيغدو كلوحةٍ تتناسق فيها الألوان، وتتكامل فيها الصورة، وهذا كله نتاجُ تربيةٍ وتخطيطٍ طويلِ الأمدِ، يتطلَّب طولَ النفَس، والصبرَ الجميلَ، والعملَ المتواصل، والثبات عليه، بل وإكراه النفس عليه؛ لصياغة نموذج وأسلوب للحياة، تتأكد به قيم الإسلام العليا، ومبادئه المميزة، لينطلق بها إلى الممارسة الحياتية، بلا عُقَد ولا أزمات ولا مقارنات خاطئة، بل ولا انفصامٍ في الشخصية وبوعيٍ بالتحديات، وإيمانٍ بالمنهج والتطبيق، واستشعار الأمة كلها بوجوب العمل، وثقتها بقدرتها على التأثير الإيجابي، مع الاعتزاز بهويَّتها الإسلامية، واليقين بنصر الله لها.

مقصد الإسلام
إن للإسلام مقصدَين مهمَّين يجب أن نَعِيَهما جيدًا:

أولاً: إقامة أمة صالحة مصلحة، ولن تكون إلا إذا توافرت فيها شروط أساسية، أهمها:

1-أن تكون أمة ذات رسالة تجاهد من أجلها.

2-أن تكون أمة موحدة متحابة.

3-أن تكون أمة مضحية مستعدة للبذل.

ثانيًا: أن يكون على رأس هذه الأمة حكومةٌ إسلاميةٌ مدنيةٌ، صالحةٌ مصلحةٌ، خادمةٌ للشعب، تقوم على الشورى، وتُقيم العدل، وتحقق الحرية لجميع أفراد شعبها، لا حكومة طغيان واستبداد.

لهذه المعاني التي تتطلَّب إرادةً قويةً وعزمًا على مواصلة الطريق؛ لأنه طريق طويل تعتريه عقبات وعقبات.. من أجل ذلك يقول الإمام البنا للمتعجِّلين: "أيها الإخوان المسلمون، اسمعوها مني كلمةً عاليةً مدويةً، من فوق هذا المنبر، في مؤتمركم هذا الجامع.. إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعتُ بأنها أسلمُ طريق للوصول، أجل.. قد تكون طريقًا طويلةً، ولكن ليس هناك غيرها، فمن أرادَ أن يستعجل ثمرةً قبل نضجها، أو يقتطفَ زهرةً قبل أوانها فلستُ معه في ذلك، وخيرٌ له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها".

ويقول لمن تسبق عواطفهم عقولهم: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزِموا الخيالَ صدق الحقيقة والواقع، واكتشِفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البرَّاقة، ولا تَميلوا كلَّ الميل فتذروها كالمعلَّقة، ولا تُصادِموا نواميسَ الكون فإنها غلاَّبة، ولكنْ غالِبوها واستخدِموها، وحوِّلوا تيارَها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقَّبوا ساعةَ النصر وما هي منكم ببعيد".

يقول للذين يقيسون الأمور بنتائجها ومظاهرها: إنكم تبتغون وجه الله وتحصيل مثوبته ورضوانه، وذلك مكفولٌ لكم ما دمتم مخلصين ولم يكلفكم نتائج الأعمال، ولكن كلفكم صدق التوجه، وحسن الاستعداد، ونحن بعد ذلك إما مخطئون فلنا أجر العاملين المجتهدين، وإما مصيبون فلنا أجر الفائزين المصيبين، على أن التجارب مع الماضي والحاضر قد أفادت أنه لا خيرَ إلا في طريقكم، ولا إنتاجَ إلا مع خطتكم، ولا صوابَ إلا فيما تعملون، فلا تقامروا بجهودكم، ولا تقامروا بشعار نجاحكم، واعملوا ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 35)، والفوز للعاملين ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 143).

الخلاصة

أننا أصحاب مشروع إسلامي يدعو إلى تكوين أمة وتربية شعب، وتحقيق آمال، وهذا كله يتطلَّب نفسيةً عظيمةً، تتمثل في: إرادة قوية، ووفاء ثابت، وتضحية عزيزة، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به؛ لأنه مشروع شعوب مسلمة تتحرق شوقًا وأملاً في أن تحيا بالإسلام، وتعيش له وبه كي تتبوَّأ مكانتَها بين العالمين، وتنهض بواجبها المقدَّر من رب العالمين.

إنه المشروع الذي يهدي للتقى والرشاد والطريق المستقيم الذي يحقق للأمة هويتها الذاتية، وشخصيتها المتميزة واستقلالها الاقتصادي وإرادتها السياسية؛ حتى لا تذوب في شرق ولا غرب، وحتى تخرج من حالة المسخ التي تردَّت إليها من إثْر التخلف والجمود والفساد من ناحية والغزو والاستعمار الفكري والعسكري من ناحية أخرى.

ولذلك كان لا بد ابتداءً أن نعي جيدًا أن الإسلام رسالة تربية قبل أن يكون رسالة تشريع وتنظيم، ورسالة عقائد وأخلاق قبل أن يكون رسالة قتال وجهاد، ورسالة قيم ومبادئ قبل أن يكون رسالة اتساع وانتشار، ومن هنا كانت أولى خطوات التغيير والإصلاح موجهةً إلى القلب والنفس لتحقيق وحدة القلوب صفاءً وإخلاصًا، وهي سابقةٌ على وحدة الصفوف تنظيمًا وتخطيطًا وإدارة، فالصلاح قبل الإصلاح.

نعم لا بد من يقظة الأرواح وحياة القلوب، وصحوة الوجدان والمشاعر أولاً قبل كل شيء، ولقد نبَّه الإمام البنا إلى هذه الحقيقة، فقال: "ينظر الناس في الدعوات إلى مظاهرها العملية وألوانها الشكلية، ويهملون كثيرًا النظر إلى الدوافع النفسية والإلهامات الروحية، التي هي في الحقيقة مددُ الدعوات وغذاؤها، عليها يتوقف انتصارها ونماؤها، وتلك حقيقة لا يجادل فيها إلا البعيد عن دراسة الدعوات وتعرُّف أسرارها، إن من وراء المظاهر جميعًا في كل دعوة لروحًا دافعةً، وقوةً باطنة، تسيِّرها وتهيمن عليها، وتدفع إليها، ومحالٌ أن تنهض أمةٌ بغير هذه اليقظة الحقيقية في النفوس والأرواح والمشاعر ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

ولهذا أستطيع أن أقول إن أول ما نهتم به في دعوتنا وأهم ما نعوِّل عليه في نمائها وظهورها وانتشارها هذه اليقظة المرتجاه، والتي نؤكدها كي نرسِّخ في العقول لتُصبِحَ أولى الخطوات- كما قلنا- ومن صحت بدايته صحت نهايته..

إننا نريد بتطبيق الشريعة حتى يصبح الإسلام هو الحل استئنافُ حياةٍ إسلاميةٍ متكاملةٍ.. حياة توجهها عقيدة الإسلام، وتحكمها شريعته، وتضبطها أخلاقه، وتسودها قيمه وآدابه.. حياة مصبوغة بالقيم الإسلامية لحمًا ودمًا وروحًا، هذا ما نريده، أن نحيا بالإسلام، ونحيا للإسلام.

فليس كما يقول الماركسيون والماديون: غيِّر الاقتصاد أو غيِّر علاقات الإنتاج يتغيَّر التاريخ، ولكننا نقول: غيِّر نفسَك تتغيَّر الحياة والتاريخ، ولا تتغيَّر النفوس إلا بالإيمان والتزكية ليتحقق الفلاح والنجاح ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7-10).

هذا هو منهجنا، فهمًا واعتقادًا وحركةً، لا نحيد عنه، بل نقول فيه كما قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".

وصلَّى الله وسلَّم وبارَكَ على سيدنا محمد وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.
-------
عضو مكتب الإرشاد.

السبت، ٤ أغسطس ٢٠٠٧

أبا الزهراء

الجمعة، ٣ أغسطس ٢٠٠٧

صدق الولاء والانتماء لدعوة الإباء


كل منا يدعي انتماءه لدعوة الاسلام في القرن الخامس عشر الهجري
وكل منا يفخر بذلك ويتباهى به أمام الآخرين
ولكن .. من منا يرى أن انتماءه لدعوة الإخوان هو انتماء حقيقي لا زيف فيه ولا خداع
لقد قالها الإمام المؤسس رحمه الله " كم فينا وليس منا وكم منا وليس فينا " .. ومن أجل ذلك فنحن بحاجة إلى وقفة جادة مع النفس نراجع فيها انتماءه لهذه الدعوة الخالدة .. ونسأل أنفسنا
ما مدى تواجد الدعوة في قلوبنا ومشاعرنا؟
وما مدى سيطرتها على عقولنا وأفكارنا ؟
وهل نحن نقدم لها وفي سبيلها كل ما نملك من طاقات وإمكانات ؟
وهل تشغل الدعوة لب أوقاتنا أم نعطيها فضلات وقتنا ؟

كثيرة هي الأسئلة التي بحاجة إلى إجابة وافية شافية من قلب صادق ونفس صافية ، حتى نستطيع أن نحدد معالم صدق الولاء والانتماء لدعوة الإباء ، وهذا ما نتحدث عنه في موضوعاتنا القدامة بإذن الله