الأحد، ١٧ يناير ٢٠١٠

هنا يُسطر التاريخ بأحرف من نور



تهيئة

من هنا يُسطر التاريخُ وتُكتب أروعُ صفحاته في العصر الحديث، حينما اقتربت عقارب الساعة من صباح يوم السبت، تشير إلى العاشرة والدقيقة التاسعة والخامسة، فتوقف التاريخ وحُبست الأنفاس واشرأبت الأعناق وأنصتت الآذان وتطلعت الأعين، لتلك اللحظة الحاسمة التي تشهد الحدث الأهم في تاريخ الدعوة، إنها الدقيقة الفاصلة التي تفصل بين مرحلتين هامتين، مرحلة الانتقال من قيادة أكبر حركة إسلامية في العصر الحديث إلى الجندية التامة خلف قيادة جديدة سيعلن عنها بعد قليل، في صورة لم يعهدها التاريخ ولا الجغرافيا، هاهو فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ محمد مهدي عاكف يتقدم إلى المنصة وأمامه الحشد الهائل من الصحفيين والمذيعين والإعلاميين من هنا وهناك، يبدأ مؤتمره الصحفي العالمي الذي دعا إليه، ليكون آخر مؤتمر يدعو إليه كقائد لهذه الدعوة، يتقدم في ثقة ويبدأ كلمته ويعلن في هدوء وسكينة وثقة وطمأنينة عن نهاية عهده الذي قاد فيه الدعوة بحكمة وحنكة الشيوخ وحماسة الشباب، ويعلن الأستاذ عاكف عن المرشد الجديد لجماعة الإخوان المسلمين، وفور إعلانه ونطقه باسم المرشد الجديد، يبادر ليكون أول من يبايعه على السمع والطاعة في هذه الدعوة المباركة، ويلتفت إليه مبايعاً له ومسلماً راية الدعوة، إيذاناً بانتهاء قيادته وعودته جندياً في صفوف الإخوان يسمع ويطيع لقيادته الجديدة، مجسداً لنا صورة رائعة من التجرد والزهد والتخلص من حظوظ النفس المشروعة .


تجسيد عملي

لقد عاش الإخوان عهوداً متكاملة وأزمنة عديدة بفضل من الله في ظل قوله تعالى " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا"، وفي ظل قوله صلى الله عليه وسلم : زكونوا عباد الله إخواناً" ، وعاشوا في ظل دعوتهم المباركة على قيم ومعاني الانتماء الصافي والطاعة الواعية، وجسدوا الإسلام في أروع صوره من خلال ممارساتهم العملية، وفي قمة هذا التجسيد العملي للإسلام يأتي المرشد العام السابق الذي أراد أن يعطينا صورة غير مسبوقة وعلامة فارقة في تاريخ الدعوة بإعلان مبادرته بالاكتفاء بفترة ولاية واحدة فقط، وترك القيادة وهي بين يديه طائعة ، في خطوة جريئة وشجاعة تحسب له، فتحت مجالاً رائعاً لتجسيد التداول السلمي للسلطة وإعمال مبدأ الشورى في أروع صوره وتجديد الحيوية داخل الجماعة، ومما أعطى انطباعاً مغايراً عما يثيره البعض حول الإخوان وفكرهم، وبما يدل على أن الإخوان كجماعة تتطور، وأن مؤسساتها تتقدم في ثقة نحو مستقبل أفضل بإذن الله .


صورة خالدة

لن ينس التاريخ تلك الصورة الرائعة التي جمعت بين اثنين من المرشدين لأول مرة في تاريخ دعوة الإخوان، تلك الصورة التي تناقلتها وسائل الإعلام وبثتها القنوات الفضائية ونشرتها الصحف والمجلات، في واحدة من اللقطات النادرة التي لم يكن معهوداً وجودها، حيث كان كل مرشد يأتي بعد وفاة المرشد السابق، ولكن الصورة هنا التقطت للمرشد السابق وهو يصافح المرشد الجديد ، صورة الأسد الجسور الأستاذ مهدي عاكف آخر رجال جيل البنا المؤسس وهو يسلم الراية في ثقة واطمئنان لابنه الذي كان جندياً له بالأمس، في أروع صور الانضباط والانتماء داخل هذه الجماعة ، في مشهد رائع أنسانا ما وقع في قلوبنا من حزن وهم بسبب مغادرة الأستاذ عاكف قيادة الجماعة، ولكن الصورة عبرت لنا عن فرحتنا وفخرنا بهذه الدعوة الولودة المعطاءة، إنها صورة التسليم والتسلم بين القيادتين والأستاذين الجليلين في سلاسة وهدوء، ونقل الأمانة من جيل إلى جيل، والتي تؤكد على أصالة الدعوة وانتصارها على كل ما أشيع عنها من تساؤلات وقلق خلال الأيام الماضية، هذه الصورة التي تعد وسام فخر وعز على صدر الإخوان، و قمة النضج الشوروي و الترابط التنظيمي عند الإخوان .


صورة أخرى

وفي المقابل تناقلت وسائل الإعلام صورة أخرى لا تقل في روعتها عن الصورة الأولى ، حينما تصافح الرجلان القائدان، فما كان من المرشد العام الجديد بعدما تسلم الراية من قائده السابق إلا أن يقبل رأسه، تلك القبلة التي حملت الكثير من المعاني التربوية والأخلاقية والسلوكية في جماعة الإخوان، إنها قبلة الاعتراف بالجميل لمن سبق على الطريق، إنها قبلة الوفاء لقائد معطاء، إنها قبلة مراعاة وداد لحظة والانتماء لمن أفاد لفظه، إنها قبلة الحب والتقدير والاحترام، إنها قبلة نكران الذات أمام القمم السامقة في هذه الدعوة، إنها قبلة الشكرو الثناء على ما قدم لهذه الدعوة خلال فترة قيادته لها، إنها قبلة التلميذ لأستاذه، وقبلة الإبن لأبيه، وقبلة المريد لشيخه ، وقبلة الجندي لقائده، إنها قبلة الانتماء في دعوة الإخوان وما أروعها من قبلة، وحق لنا أن نهتف بأعلى صوتنا فخراً بدعوتنا وقادتها ورجالها " صمت أذن الدنيا إن لم تسمع لنا" ولله در الشاعر :

أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع


مناجاة

اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك، فوثق اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذى لايخبو، واشرح صدورها بفيض الايمان بك وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير .. والله اكبر ولله الحمد .

هناك تعليق واحد:

غير معرف يقول...

استاذنا وحشتنا ويعلم الله انى احبك فى الله اشتاق الى روياك استاذنا غيبت علينا فى الكتابة فحضرتك ما كتبتش منذ فترة طويلة