السبت، ٢٣ فبراير ٢٠٠٨

مشاعر لا بد أن تتحوَّل إلى أعمال

بقلم : الدكتور محمود عزت
تترقب دوائر متعددة صدور حكم المحكمة العسكرية يوم 26/2 على كوكبة من علماء وأساتذة جامعات ورجال أعمال وصحفيين ونقابيين، ورغم أن هذه الكوكبة لا تزيد عن الأربعين، إلا أن الذين يترقَّبون الأحكام لا أبالغ إذا قلت إنهم يُعدُّون بمئات الآلاف بل عشرات الملايين.
الدائرة الأولى: هي دائرة أهل المحاكَمين؛ من زوجات وبنات وأبناء وأمهات وآباء وإخوة وأخوات، وجمع كبير من ذوي القربى وأولي الأرحام، وهؤلاء يُعدُّون بالمئات وقد يصلون إلى الآلاف.
والدائرة الثانية: هي الإخوان المسلمون بكافة فئاتهم؛ من أساتذة جامعات وطلاب وعمال وفلاحين ومثقفين وشباب وشيوخ ورجال ونساء، لا تخلو مدينة بل لا تخلو قرية في مصر منهم.
وإلى جانب هؤلاء تجد في كثير من الدول العربية والإسلامية أمثالَهم، فإذا أضفتَ إليهم الإخوان المنتشرين في أكثر من 70 دولة فهم بهذا يصلون إلى الملايين، وحول هؤلاء الإخوان أصدقاء وجيران ومعارف يضاعفون هذه الملايين إلى عشرات الملايين.
والدائرة الثالثة: هي دائرة المهتمين بمتابعة أحوال الإخوان من الإعلاميين؛ جرائد وقنوات فضائية ومواقع إلكترونية..، بالإضافة إلى الساسة وجمعيات حقوق الإنسان ومراكز بحثية ومنظمات المجتمع المدني، وهم يمتدُّون على الساحة العالمية، من شرقها إلى غربها، وينشرون أخبارهم بكل لغات العالم، وأترك للقارئ أن يتخيَّل أعداد المتابعين للمحاكمات.
ومن هنا أجد من واجبنا نحن الإخوان أن نوجِّه الحديث إلى هذه الدوائر جميعًا؛ ولذا بدأتُ في الكتابة بنفسي، رغم أني لست من أهل الكتابة، وحسبي أن تتحوَّل المشاعر إلى عمل ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 105).

* وأبدأ بالتوجُّه إلى أحبتي.. الكوكبة المحالة إلى المجلس العسكري:
شاء الله تعالى أن يبتليَكم في أنفسكم وفي أموالكم معًا؛ لعله أراد أن يعطيكم الحسنى وزيادة، وصحِب هذا البلاء المبين لطفٌ وتثبيتٌ؛ فرأينا السكينة والثبات والعزة والعزم والجد والصبر والرضا والتوكّل، أفضالاً توالت عليكم من اللطيف الخبير، فما وهنتم وما ضعفتم لما أصابكم في سبيل الله؛ مداهمات وتفتيش ومصادرة أموال وشتى أصناف إرهاب الدولة، وإهدار متكرر لأحكام محاكم مدنية وإدارية، ثم اعتقال يعقبه عرضٌ على المجالس العسكرية، مع أبشع أنواع التزوير والتزييف من الأمن والافتراء من الإعلام الرسمي وإنكار جهودكم المخلصة من أجل هذه الأمة..
فأبى اللهُ إلا أن يفضحَهم بمواقفكم الشجاعة، وقولِكم السديد، وحجتِكم البالغة، فقد كانت أعمالُكم وإنجازاتُكم في الواقع خيرَ شاهد لكم عند الأمة جميعًا، ثم كنتم على منهج رسول الله وصحبه.. ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).
أحبتي، كوكبة الدعوة.. سرُّ قوتكم اعتصامكم بربكم، عرفتم فالزموا، وليكن يقينكم هو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ (غافر: من الآية 20).
ثم أتوجه بعد ذلك إلى أهليكم:
أحبتي.. نحسبكم قد أبليتم بلاءً حسنًا، وكنتم رموزًا للتضحية والبذل والشجاعة والوفاء؛ رجالاً ونساء، شيوخًا وشبابًا، أشبالاً وزهراتٍ، وقدمتم أنموذجًا وقدوةً للزوجة المجاهدة والأم الصابرة والأخت الناصحة والولد البارّ، وفتح الله بكم قلوبًا غلفًا وأعينًا عميًا، كانت لكم وسائل في الدعوة مبتكرة، فلكم إن شاء الله أجرُكم وأجرُ من انتفع بمواقفكم إلى يوم القيامة، ولن يضرَّكم إصرارُ أقوامٍ على الإساءة إليكم، أو محاولة التلاعب بمشاعركم.. ألقوا خلف ظهوركم إشاعاتٍ بإدانة البعض وعفو آخرين، فلا تتعلَّق قلوبكم بفعل بشر.
فأحسنوا الظن بالله، واقطعوا آمالَكم في العسكر أو مَن فوقهم، وأكثِروا من ذكر الله، واعلموا أن عافية الله هي أوسع لنا، وأيقنوا أن فيما قدَّر اللهُ تمام العافية؛ فإن الله تعالى يرفع دعوة المظلوم فوق الغمام ويستجيب لها ولو بعد حين.

** أما الإخوان على الساحة المحلية والعالمية فأقول لهم: إن الواجبات أكثر من الأوقات؛ فعلينا واجبات نحو إخواننا المحاكمين عسكريًّا؛ فهم طليعة هذا الصفّ المؤمن في بلدنا الحبيب، وعلينا واجباتٌ نحو إخواننا في فلسطين، علينا واجب نحو أمتنا التي تكالب الأعداء عليها تكالب الأكَلة على قصعتها، فليس لنا عذرٌ بين يدي الله بعد أن أدركْنا وأبصرنا، فاستعينوا بالصبر والصلاة والدعاء وأيقِظوا الأمة لتقوم بواجبها.
واجبات على كل فرد بشأن المحاكمات العسكرية
- يذكر الأخ إخوانَه، فيدعو لهم في كل صلاة، وعند قيامه بالليل، وقنوته في الصلوات.
- في بيته، فكلما أنِسَ بأهله ذكر إخوانه، فأوصِ أهلك بحسن الصلة، فيتصل النساء بالنساء والأولاد بالأولاد.
- يذكر إخوانَه في جيرانه وفي أهل مهنته بالقول أو الرسالة الإلكترونية أو ما شابه ذلك من وسائل.
- يذكر إخوانَه مع أهل المسجد، فيدعون لهم جميعًا.
- يبادر بتلبية الدعوة، إن كان بحضور جلسة الحكم أو مؤتمر في نقابة أو نادٍ..
- إن كنت أخي من أهل الكتابة فاكتب إلى الصحف أو المواقع الإلكترونية، وإن كنت من المتحدثين فاسْعَ إلى الحديث عن إخوانك المظلومين، ورُدَّ عنهم التزوير والتشويه، وإن كنت من أهل منظمات المجتمع المدني فقُم بدورك في توعية الأمة، وإن كنت طالبًا فقُم بدورك في توعية زملائك، وإن كنت برلمانيًّا فقُم بدورك الرقابي لمنع استبداد الساسة وتعسُّف الأمن، وإن كنت نقابيًّا فاعمل من خلال نقابتك، وإن كنت من أعضاء هيئة التدريس فاعمل من خلال جامعتك وناديك، وهكذا كل منا على ثغرة هو مسئول عن الذَّود عنها.

*** ثم أتوجه إلى الدائرة الثالثة من المهتمين بمتابعة أحوال الإخوان من الساسة والإعلاميين وجمعيات حقوق الإنسان والقوى الشعبية في داخل مصر وعلى الساحة العالمية، على اختلاف بواعثهم وأفكارهم؛ فمن ندب نفسه للعمل العام والدفاع عن المظلومين له التقدير من الإخوان، وهو مسئولٌ أمام الله ثم أمام الناس عن عمله، وليكن منصفًا، ونحن الإخوان حريصون على أن نضع أمامه كلَّ الحقائق التي تعينه على أداء مهمته على أكمل وجه، مهما خالفَنا في الرأي أو العقيدة.
وأعود فأقول: "قلوبنا متعلقة بالله وحده، مطمئنون بتثبيته لنا، ونرجو أن تتحوَّل العاطفة إلى عمل: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: من الآية 148).
-----------
* الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين

ليست هناك تعليقات: