الأحد، ٨ نوفمبر ٢٠٠٩

الإخوان المسلمون عمل متواصل



تهيئة

" لقد انتصر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يوم صاغ من فكرة الإسلام شخوصاً وحول إيمانهم بالإسلام عملاً، وطبع من المصحف عشرات من النسخ ثم مئات وألوفاً ولكنه لم يطبعها بالمداد على صحائف الورق إنما طبعها بالنور على صحائف القلوب وأطلقها تعامل الناس وتأخذ منهم وتعطي وتقول بالفعل والعمل ماهو الإسلام الذي جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من عند الله" بهذه الكلمات عبر شهيد القرآن سيد قطب عن هذا الدين وكيف أقامه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في واقع الأمة، وأضاف"لقد انتصر محمد بن عبد الله يوم صنع أصحابه عليهم رضوان الله صوراً حية من إيمانه تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، يوم صاغ من كل منهم قرآناً حياً يدب على الأرض ، يوم جعل من كل فرد نموذجاً مجسماً للإسلام يراه الناس فيرون الإسلام" فأقر أن قيام الإسلام وانتصاره لم يكن إلا من خلال التربية العملية الميدانية التي قام بها رسول الله مع صحابته فأثمرت رجالا ربانيين قرآنيين، ويؤكد شهيد القرآن على حقيقة أخرى تضاف إلى السابقة بقوله "إن النصوص وحدها لا تصنع شيئاً وإن المصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجلاً وإن المباديء وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكاً" بما يفيد أن أي دعوة لا تنجح إلا إذا جسدها أصحابها في مواقف عملية وسلوكية وأخلاقية ، بعيدا عن دائرة الكلام العلمي النظري.

دعوة ماضية

ومنذ ثمانين عاما قامت دعوة الإخوان تسير على خطى الحبيب من أجل إعادة هذه الأمة إلى سالف عهدها وسابق مجدها، بإحياء الخلافة الإسلامية التي ماتت، وبإظهار الدين فوق ربوع العالمين، وتحقيق أستاذية العالم انطلاقا من قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس "، ولقد أدرك الإخوان أن هذه الغايات وتلك الأهداف التي قامت من أجلها الدعوة ما كان لها أن تكون في أرض الواقع ولا أن تتحقق إلا إذا أخذ أبناؤها الأمر بقوة استشعاراً لقوله تعالى " خذوا ما آتيناكم بقوة"، وأن يتحملوا مسئولية الدعوة بجد وعزيمة ، وأحس الإخوان أن تحقيق تلك المبادئ والغايات والأهداف لا يتم إلا من خلال تطبيق عملي للإسلام الذي جاءنا به الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وإن تحقق ذلك يحتاج إلى إرادة قوية وعزيمة صادقة ، فانطلق الإخوان بهذه النفسية العظيمة وتلك الهمم العالية، يبلغون دعوة الله ويصلون الليل بالنهار عملاً وبذلاً وحركة وعطاءً، انتقالا بالأمة من ميدان الخطب والكلام إلى ميدان العمل المتواصل، ومن ميدان وضع الخطط والمناهج إلى ميدان الإنفاذ والتحقيق، وحادي الركب يوجه القافلة "إن رجل القول غير رجل العمل ورجل العمل غير رجل الجهاد ورجل الجهاد فقط غير رجل الجهاد المنتج الحكيم، الذي يؤدي إلى أعظم الربح بأقل التضحيات"، فأصبح سمت الإخوان الأعمال الجدية المنتجة، لا يثنيهم عن واجبهم ودعوتهم كثرة الخصوم ولا تكالب قوى الشر.

تربية مثمرة

لقد سعى الامام البنا والإخوان من أجل السير على خطى الحبيب في تربية الرجال، فكان هدف الدعوة الأول أن تصنع رجالاً لا أن تلقي المواعظ وأن تصوغ ضمائر لا أن تدبج خطباً وأن تبني أمة لا أن تقيم فلسفة، وأن تحول الفكرة المجردة إلى رجال تلمسهم الأيدي وتراهم العيون، فكان سمت الدعوة في رجالها العمل المتواصل الذي لا يتوقف ، كما قال المؤسس رحمه الله " وقد أعددنا لذلك إيمانًا لا يتزعزع، وعملاً لا يتوقف، وثقةً بالله لا تضعف، وأرواحًا أسعد أيامها يوم تلقى الله شهيدةً في سبيله"

فربت دعوة الإخوان المسلمين أفرادها على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلتهم لا يقصرون في فرائض الله، ولا ينتهكون حرماته، ولا يجرءون على معصية، ولا يفرطون في التعبد ، ولا يبالغون في التزهد، ولا يظلمون دنياهم على حساب آخرتهم، فهم يصومون ويفطرون، ويقومون ويتريضون، ويمزحون ويجدون، ويجاهدون وينبسطون مع أصدقائهم ومع أهليهم، ويعملون للآخرة ولا ينسون نصيبهم من الدنيا في أخذ شامل للدين وتطبيع عملي واسع له في كل مناحي الحياة.

وربت دعوة الإخوان أفرادها على مائدة القرآن كي يكون كل واحد منهم قرآنا يمشي بين الناس، فجعلوا كتاب الله تبارك وتعالى أول أورادهم، وكان من تعهُّدهم أن يرتب الأخ على نفسه كل يومٍ جزءًا على الأقل من القرآن الكريم يتلوه، وكان تعاملهم مع القرآن على أنه تعليماتٌ تُحْفَظ، وتوجيهاتٌ تُنَفَّذ، وتربيةٌ تظهر في السلوك والأخلاق ، مستشعرين قول سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه " ينبغي لحامل القرآن أن يُعْرَف بليله إذا الناس نائمون، وبنهارِه إذا الناس يفطرون، وبِحُزْنِه إذا الناس يفرحون، وببكائِه إذا الناس يضحكون، وبصمْته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يخْتالون، وينبغي لحاملِ القرآنِ أن يكونَ باكيًا محزونًا حكيمًا حليمًا عليمًا سِكِّيتًا، وينبغي لحاملِ القرآنِ أن لا يكونَ جافيًا ولا غافلاً ولا صخَّابًا ولا صيَّاحًا ولا حَدِيدًا " فكانوا صوام النهار قوام الليل ، وكانوا تجسيا عملياً لك ما جاءس في القرآن من قيم وأخلاق.

وربت دعوة الإخوان المسلمين أفرادها على مكارم الأخلاق التي هي أساس دعوتهم ، انطلاقا من قوله تبارك وتعالى: (ونفس وما سواها ، فألهمها فجورها وتقواها ، قد أفلح من زكّاها ، وقد خاب من دسّاها)، فتجسدت أخلاق الأخ المسلم في جوانب عملية ( صادق لا يكذب ، وفي لا يغدر ولا يخلف، حليم لا يسرع بالغضب ، ولا يفحش بالقول ، حيي لا يجهر بالسوء ، ولا يثبت للمنكر، شجاع يجهر بالحق ، ولا يخشى فيه لومة لائم، عفيف ، يضع كرامته فوق كل الغايات والأغراض الزائلة، منصف يقدر الحسنة ، ويزن السيئة ، ويأخذ من كل شيء أحسنه، يعفو ويصفح ، ويدرأ بالحسنة السيئة ، إلا أن تنتهك محارم الله ، فلا يقوم لغضبه شيء... الخ)، وهكذا كان تجسيد الإخوان لمبادئ دعوتهم من خلال عمل دؤوب متواصل يصلون الليل بالنهار

وربت دعوة الإخوان أفرادها على أنهم "أجراء عند الله أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا، عملوا وقبضوا الأجر المعلوم، وليس عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي مصير فذلك شان صاحب الأمر ولا شأن الأجير" فهم يستشعرون أن الله محاسبهم على الأعمال والنيات لا النتائج ، قال تعالى " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" فأدركوا أنهم مطالبون بالعمل لدين الله وأجرهم عليه، وأدركوا انه لا نجاح لدعوتهم إن أعطوها فضول أوقاتهم، وأدركوا ان الإسلام اليوم ليس بحاجة إلى مزيد بحوث ولا تراكم علوم ولا ثقافات واسعة بقدر ما يحتاج إلى دعاة عاملين مجسدين للإسلام في واقع حياتهم، من غير ملل من طول طريق أو تأخر نصر أو تباعد تباشير الفجر، يقول الإمام البنا " أيها الإخوان المسلمون اسمعوها مني كلمة عالية داوية من فوق هذا المنبر: إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده. ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلةً ولكن ليس هناك غيرها. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب.."

وربت دعوة الإخوان أفرادها على أن يكونوا شخصية تجمع الخير من جميع جوانبه انطلاقا من قوله تعالى " اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون"، وأن يكونوا عمليين في كل ميدان يدخلونه، فإذا جدَّ الجِدُّ، ودعا داعي الجهاد كانوا فرسان الميدان جنود الحق باذلي الأنفس، وإذا دخلوا ميدانَ السياسة كانوا أبصر الناس بالمصالح والمفاسد، وأعلمهم بالسياسة الشرعية، وأقضى الناس لحاجات العباد، وإذا عاملوا الناس في التجارة كانوا أصدقهم وأكثرهم أمانةً، وإذا كانوا مع أهلهم وجيرانهم ومجتمعاتهم خالطوهم مخالطة تامة دون المساس بثوابت الدين، فهم في عمل متواصل مع مجتمعم من بر الوالدين، وصلة الأرحام، وإكرام الضيف والجار، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم، ومواساة الفقير، وكفالة اليتيم، وإنقاذ الغريق، ومساعدة البائس، وإنظار المعسر، وإرشاد الضال، وإعانة اللهفان المستغيث، والمحتاج والضعيف، وإذا رأوا فسادا أومنكراً كانوا أشد الناس بغضاً له وفراراً منه وسعيا في إنكاره وإزالته، وعند الملمات تجدهم أسرع الناس تلبية للنداء وأسخاهم يداً بالبذل والعطاء، وفي بيوتهم تجدهم أحرص الناس على تربية أبنائهم تربية إسلامية قرآنية ، وفي مساجدهم كانوا أصحاب الصفوف الأولى، وعمارها بالجماعات والصلوات والذكر والقرآن ومجالس العلم والدعوة والإرشاد، حيث أن المسجد هو أهم مساراتهم الدعوية وأغلاها،


ختاماً
وهكذا أدرك الإخوان أن العمل الصالح بشتى أنواعه وألوانه، يحفظ على الاخ دينه وعرضه، ويكسبه الحياة المطمئنة، ويقوده إلى الخير وراحة البال، وأن الأعمال واسعة وميادينها فسيحة، وهكذا أدرك الإخوان أن العمل المتواصل فقط هو السمت الحقيقي لهم ، بعيدا عن زخرفة القول وإبداعات التنظير، واستغراقات العلم التلقيني، وفلسفات الجدل السوفسطائي، وهكذا عاش الإخوان في عمل متواصل، يراهم الناس وجهين لعملة واحدة، إما أن يكون الأخ المسلم في عمل دائم متخذا شعاره من قوله تعالى " وقل اعملوا" وهذا هو الوجه الأول للعملة، وإما أن يكون في رباط دائم على ثغرة من ثغور العمل الدعوي ينتظر أداء التكليف متخذا شعاره من قوله صلى الله عليه وسلم " كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة " فإلى العمل أيها الإخوان ودعوا لغة القول إلى لغة الفعل ، وانطلقوا من ميدان الكلام والنظريات والفلسفات والجدال العقيم، إلى محراب العمل المتواصل والله معكم ولن يتركم أعمالكم يها الإخوان والل

السبت، ٣١ أكتوبر ٢٠٠٩

لك الله يا دعوة الخالدين



تهيئة

طريق الدعوة طريق واحدة، سار عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته من قبل ، وسار الدعاة عليها بتوفيق من الله من بعد إيمان وعمل ومحبة وإخاء، فقد دعا الإمام البنا إخوانه بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الإيمان والعمل ، ثم جمع قلوبهم على الحب والإخاء، فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة، وصارت جماعتهم هي الجماعة النموذجية التي لا بد أن تظهر كلمتها وتنتصر دعوتها وإن ناوأها أهل الأرض جميعا، ولقد ربت هذه الدعوة أبناءها كي يعيشونها واقعا ملموسا كما عاشها الجيل الأول من الصحابة الكرام، يعيشونها من حيث تطبيق هذا الدين فى واقع الحياة بين مكة والمدينة ، فتارة تكون مكية وأخرى تكون مدنية ، فهم يعيشون فى دار الأرقم مثلما يعيشون فى المسجد النبوى، يعيشون الإضهاد تارة والتمكين أخرى، ويعيشون مشحونين بالثقة فى وعد الله لعباده المؤمنين بالتمكين وبإذلال أعداء الله من الكافرين والظالمين والمستكبرين الذين يناوئون الدعوة ويقهرون أبناءها، ويعيشون مدركين أن الغلبة فى النهاية لاولياء الله وحملة رسالاته الذين ربوا أنفسهم فارتقوا بخصائصهم وثقافتهم والتزامهم" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ".


صور ثلاث

إن دعوة الله هي دعوة الخالدين، جعلها الله في حفظه وحمايته، حتى قال أحد أساتذة الدعوة " هذه الجماعة يحفظها الله، وإن عشرات المواقف عبر التاريخ لتبين ذلك " ولقد سخر الله لها من المؤمنين من يقومون على حراستها من بعد الأنبياء والمرسلين ، من الأصفياء المجاهدين, الذين آمنوا بسمو دعوتهم وقدسية فكرتهم وعزموا صادقين على أن يعيشوا بها أو يموتوا في سبيلها، ويتمثل حفظ هؤلاء لدعوتهم وتتمثل مهمتهم فيما قاله الحبيب صلى الله عليه وسلم "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"


لقد شهد تاريخ الدعوة الكثير والكثير من تلك الصور الثلاث " تحريف الغالين – انتحال المبطلين – تأويل الجاهلين " وإن الجماعة لتتعرض دائما لمثل هذه الحملات بين الحين والآخر، بغرض هز الصف وإحداث تشقق فيه، وإن الإثارة الإعلامية على دعوة الإخوان لم ولن تتوقف، وهذه هي حقيقة الصراع بين دعوة الله ومن عاداها ، ومن أجل ذلك كانت تلك الوقفات مع هذه الصور الثلاث.


تحريف الغالين

لقد نصح الله أهل الكتاب قائلا" لا تغلوا في دينكم ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل "، وهي نصيحة لازمة لأصحاب الدعوات أيضا، وقد ابتليت دعوة الله عبر تاريخها ببعض من هؤلاء الذين مالوا عن الوسطية وخرجوا عن حدود الاعتدال وانصرفوا عن المعنى الأصيل الصحيح وحادوا عن الإطار الشرعي الذين وضعته الدعوة لفهم الإسلام، فتشددوا فيه وجاوزوا الحد وأفرطوا، فهذا نوع مما ابتليت به دعوة الله وسماه الحبيب " تحريف الغالين" وإن هذا الغلو لهو آفة قاتلة ولا تنتشر إلا حينما يغيب الدعاة الربانيون الراسخون في العلم والتربية والتكوين، ولازال سمت هذه الدعوة بل ومن أخص خصائصها الوسطية والاعتدال والبعد عن التطرف في الفكر أو القول أو العمل أو السلوك ، فلا غلو في دعوتنا ولا تطرف ولا مغالاة ، بل اعتدال وتوازن وتوسط ، وإن أنصار الدعوة وحملة الرسالة الحقيقيين من يقومون بتنقية هذه الدعوة من كل ما هو ردئ من القول والعمل في الأفكار أو السلوك أو الممارسة الدعوية اليومية ، ويقومون بتنحية وإبعاد هذا الصنف من طريق الدعوة ليتم لها التمايز بين الدعوات بصفاء الفهم ونقاء العمل ، وما كان كتاب " دعاة لا قضاة" إلا خطوة على طريق تصحيح المسار للغالين وردهم إلى جادة الطريق " قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا و من اتبعني ... "


انتحال المبطلين

وقد تتعرض الدعوة وتبتلى بصورة أخرى من صور الابتلاء الواقعي والذي يتمثل في هذه الشريحة التي تقبل على بشبهاتها وأباطيلها ، والتي يبغي أصحابها أن يخرجوا بالدعوة عن حقيقتها إلى الزور والبهتان ، ليلبسوا على أصحاب الدعوات دعوتهم ومنهجهم الأصيل، وذلك بما يدخلونه على الدعوة من أباطيل وشبهات، بأن يأتوا إليها بافكار وأطروحات غير الحق المبين، وإن شريحة المبطلين لتعمل ليل نهار من أجل إطفاء نور الله " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم " من خلال إثارة الشبهات حول الدعوة ووضع أحاديث مكذوبة عليها وعلى قادتها وأبنائها، أو إدخال بعض الأفكار التي ليست منها ، وابتداع أفكار مغايرة لنهج الإخوان ودعوة الناس إليها، وتحميل أفكار الدعوة ما لا تحتمله من معان، ولكن " يأبى الله إلا أن يتم نوره "، وواجب أصحاب الدعوات هنا نفي مزاعم المبطلين من المدعين على الإسلام والدعوة وكشف صور انتحالهم المختلفة وفضح أمرهم ، وأقوى صور القضاء عليهم يكون بتمسك الدعاة بثوابت دعوتهم والبقاء في فلك الإطار الفكري والشرعي والتنظيمي لدعوتهم وعدم الخروج عنه قيد أنملة .


تأويل الجاهلين

وقد تبتلى دعوة الله بما يمكن أن نسميه تأويل أهل الجهل الذين يحاولون تشويه حقيقة الدعوة
، فيحرفون الكلم عن موضعه ، وينتقصون من الدعوة بعضا من أطرافها ، فيخرجون منها ما هو من صلبها ، ويقدمون فيها ما حقه أن يتأخر، ويؤخرون ما حقه أن يتقدم، وغالبا ما يكون الجهل مقترنا بفقدان الأدب واتباع الهوى والتطاول على قادة الدعوة وهذا سمت من لم يشرب روح الدعوة ولم يعش لها وبها ، ولم يكن لهم رسوخ في علوم الدعوة ولا مناهجها التربوية ، ولم يكن لهم من أركانها العشرة حظ ونصيب، فلا صحة في الفهم، ولا تجرد للحق ، ولا تضحية بلا طمع أو بخل ، ولا إرادة بلا ضعف ، ولا وفاء بلا تلون أو غدر ، فكان التساقط على الطريق والانحراف في الفهم والإعراض عن المحكمات واتباع المتشابهات، قال تعالى " فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله"، وقد يزداد البلاء حينما يحاول هؤلاء لي أعناق مبادئ وأفكار الدعوة وتأويلها بالهوى، دون مراعاة لضوابط وقواعد وأصول الدعوة، وربما ساندهم في ذلك المبطلون والمضللون فآووهم وسلطوا الضوء عليهم، وربما وضعت أفكارهم وتأويلاتهم في محل الدراسة والنقاش وتلقين الناس إياها،


تلك هي مهام حفاظ هذه الدعوة من القائمين على أمرها من الدعاة المربين المورثين لها والناشرين لفكرها والمبلغين لرسالتها والساعين لتحقيق أهدافها، مهام ثلاثة بها نصون مبادئ هذه الدعوة ونحافظ على ثوابتها ، وإن دعوة الله اليوم بحاجة إلى أنصار الدعوة وحراس الفكرة الذين يحملونها ويحمونها ويبصرون الناس بها من غير زيادة أو نقصان، فلا تتغير عبر الأيام، ولا ينحرف بها عن مسارها ولا يعكر صفو نقائها أحد من الغالين او المبطلين أو الجاهلين، وبذلك يحقق أنصار الدعوة لها الحماية اللازمة والتوريث الجيد والبقاء والخلود حتى تكون بحق" دعوة الخالدين"، وإن دعوة الله بحاجة اليوم إلى الإخوان الصادقين من الإخوان المسلمين من أصحاب الدعوات وحملة الرسالات كي يدفعوا عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، فيميزوا هذه الدعوة بالربانية والفهم الصحيح الشامل ، ويقدمونها للعالم بيضاء نقية كي يفتحوا بها البلاد وقلوب العباد .

إن الدعوة باقية وستظل باقية بحفظ الله لها وبتمسكنا بثوابتها وبتحقق الأخوة الصادقة فيما بيننا وبأن نعيش الدعوة وفق ما تربينا عليه ، وبأن نركز دائما على حسن صلتنا بالله ، وبألا نلتفت لما يردد هنا أو هناك ، وأن نقوي ثقتنا في الله وفي دعوتنا وقادتنا و في أنفسنا ، والله أكبر ولله الحمد .

السبت، ٢٤ أكتوبر ٢٠٠٩

أحكموا السفينة فإن البحر عميق




مقدمة

دعوتنا سفينة محكومة أثناء سيرها بالموج المضطرب والرياح العواصف المتمثلة في الابتلاءات والفتن والشبهات المثارة والشهوات المعروضة، ومحكومة من ناحية أخرى بإدارة الربان وما تُتخذ من قرارات من قبل قادتها الأفاضل، وعليه فهي تتأثر بكل حركة تقع فيها وحولها، فتهتز مرة ذات اليمين وتهتز مرة ذات الشمال، وقد تستقيم على الجادة أحيانًا أو تغيب مؤقتًا أحيانًا أخرى، ولن يكتب لها السلامة والاستواء فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص فيها على حذر مما يفعل، ويقظة لما يريد، وأن نعلم جميعًا أن لنا أعداء خارج سفينتنا يتربصون بنا الدوائر، ويسعون جادين لتخريبها وإفسادها، وأسهل وسيلة لتحقيق هدفهم أن يجدوا من أصحاب السفينة وربانها من يساعدهم في ذلك ، وهذا ما ظهر جلياً في الأزمة التي افتعلها الإعلام بين فضيلة المرشد العام ومكتب الإرشاد مؤخراً، فكانت هذه الكلمات .


ربانو السفينة

أساتذة الدعوة وقادتنا ومشاعل الهداية في جماعتنا ، لقد تربينا على أيديكم ، وهدانا الله إلى الخير بفضل لمساتكم التربوية واحتضانكم لنا وحسن تربيتكم ، وسارت الجماعة عبر تاريخها الطويل وثبتت رغم المحن والابتلاءات والشبهات والشهوات بفضل الله أولا ثم بقيادتكم الرشيدة لها ، وبصبركم وثباتكم على هذا الطريق ، وإن هذا الطريق بحاجة دائمة إلى حكمة تملى وعقل يفكر ، وأذن تصغي وقلب يبصر، وعالم يدعو وواع يذكر، فاقبلوا منا هذه الكلمات.


تعلمنا منكم

· تعلمنا منكم أنَّ كل حركةٍ يأتيها الأخ تتأثر بها سفينة دعوته سلبًا أم إيجابًا، فتهتز وتترنح أو تثبت وتقوى، لو تذكَّر كل أخ ذلك لما ترك نفسه تغوص فيما قد يغرق سفينة الدعوة، ولو عايش دعوته لانتبه لنواقض العمل الجماعي "شح مطاع، هوى متبع، دنيا مؤثرة، إعجاب كل ذي رأي برأيه" وتخلص منها، ولعمل حسابًا لكل خطوةٍ يخطوها وكل حركةٍ يتحركها؛ حرصًا على نجاته هو ونجاة كل مَن معه على الطريق ونجاة سفينة دعوته.

· تعلمنا منكم أن العواطف الهائجة تتعب صاحبها أيما تعب، وتضنيه وتؤلمه وتؤرقه ، وتعلمنا أن نجنب العواطف جانبا، وأن نجعل العقل متحكما، فالعواطف تتأجج وتعصف المشاعر عند سببين(الفرحة الغامرة والمصيبة الداهمة) ، وفي الحديث: (إني نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة، وصوت عند مصيبة) ويقول تعالى: ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ ويقول صلى الله عليه وسلم: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى" وعلمتنا الدعوة أن من ملك مشاعره عند الحدث الجاثم وعند الفرح الغامر، استحق مرتبة الثبات ومنزلة الرسوخ، ونال سعادة الراحة، ولذة الانتصار على النفس ولذلك قال الحبيب " وأسألك العدل في الغضب والرضا".

· تعلمنا منكم أن العاطفة حصان جامح متهور قد يُدمِّر الإنسان، ولا بد لهذا الحصان من لجامٍ قوي وفارس متمكن حتى يقدر على الاستفادة من هذه الطاقه الهائلة في حصانه ، وأنه لا مجال للقيادة بالعاطفة وفقط ، قالها المؤسس رحمه الله " أيها الإخوان المسلمين ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول ، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع،واكتشفوا الواقع في أضواء الخيال الزاهية البراقة،ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمُعلقة.ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على ببعض وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد "

· تعلمنا منكم أن العواطف طبيعة وفطرة بشرية، وأنها في الوقت نفسه عامل مؤثر في واقع الحياة الإنسانية سلبًا وإيجابًا، ولكن المسلم لا يقرر إيقاع أفعاله أو الحكم بصوابها وخطئها من منطلق العاطفة، ولا بمقياس ردود الأفعال، بل هو ملتزم بضوابط الشرع وأحكام الدين، وكل أقواله وأفعاله ينبغي أن تنضبط بأمرين أساسيين )الحكم الشرعي المستفاد من النصوص والمقاصد والقواعد الشرعية - مراعاة المصالح والمفاسد عند تنـزيل الأحكام الشرعية على الأحوال والحوادث الآنية والواقعية( وأن كلا الأمرين لا يلغي العاطفة، بل يضبطها، ولا يمنعها بل يوجهها.

· تعلمنا منكم ضرورة الالتزام بعدم الإسراع والاندفاع بدون حكمة وانضباط، فربما يكون ذلك استفزازًا من الأعداء، واستدراجًا من المتربصين"فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُون" وهكذا هي أخلاقياتنا على الطريق، حماسة وحمية، لكن تضبطها مرجعية منهجية، وتعلمنا منكم أن نتجاوز الشكليات ، وربما يكون هناك ما يستفز ويزعج من تسلط الأعداء أو تفلت الأولياء، ولا بد من تأثر لذلك وتغير، ولا بد من صد ومنع، ولا بد من عمل وإصلاح، وذلك مطلب فيه تصديق للإيمان، وإظهار لآثاره، ولكن مراعاة المصالح والمفاسد، واعتبار المآلات والمقاصد، وقبل ذلك التزام التشريعات والأحكام يضبط العاطفة ولا يمنعها، ويحقق الفائدة ولا يضيعها، وكثيرًا ما تكون العاطفة دافعة إلى مراعاة الأمور الصغيرة والوقوف عندها على حساب ما هو أكبر منها، وهذا ما فعله الحبيب صلى الله عليبه وسلم يوم الحديبية حينما تجاوز الشكليات ومسح اسمه من الوثيقة من أجل الهدف الأسمى والأعلى

· وتعلمنا منكم أن اجتماعنا من أجل تحقيق غاية واحدة "الله غايتنا"، ومن أجل تحقيق هدف واحد "الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم"، وكلما كانت الغاية واضحةً وخالصةً من كلِّ شائبة، وكلما كانت أهدافنا واضحةً ومحددةً، كان مدار النجاح والفلاح في طريقنا ومنهجنا، وتعلمنا منكم أن دوافعنا للعمل والحركة هي التعاون على البر والتقوى، لا الأهواء أو الاستجابة لوساوس الشيطان أو الحرص على الزعامات، وأن الارتباط في سفينة الدعوة بالمبادئ لا بالأشخاص، فلا تمحور في دعوتنا حول أشخاصٍ مهما كانوا.

· وتعلمنا منكم أن ركوبنا سفينة الدعوة يستوجب منا الالتزام بشروط وعهود والتزامات السفينة التي لا بد منها لضمان سيرها وتضافر الجهود في الاتجاه الصحيح، وقد حدد لنا إمامنا الشهيد الأركان الأساسية التي يجب أن يلتزم بها كل مَن سلك سبيل الدعوة وركب سفينتها ، وتعلمنا منكم أن الشورى ركيزة العمل التي تستقيم بها سفينة الدعوة ومَن عليها، ولا تنازل عنها أبدًا، وأن مجريات الأمور كلها في هذه السفينة تسير وفق المبدأ القرآني "وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ"

· وتعلمنا منكم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة، هو القاعدة العظيمة التي تحفظ لسفينة الدعوة ضرورات حياتها ومكملاتها، وتحفظ ثباتها على المبادئ، وتمنع انحرافها عن الجادة ، قال صلى الله عليه وسلم " الدين النصيحة، قلنا لمن يارسول الله؟ قال لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم" .

· وتعلمنا منكم أن سفينة الدعوة محفوظة بحفظ الله لها، ومن هذا الحفظ يقيض الله لها مَن يقودها إلى بر الأمان، وهي قيادة تتمتع بالريادة لا القداسة، فلا نرى في دعوتنا أن القيادة ومَن تولوا أمرنا أشخاصٌ لهم قداسة أو لهم عصمة من الوقوع في الخطأ، أو أنهم فوق مستوى المساءلة أو المحاسبة أو تقديم النصح، ولا يوجد في دعوتنا حملة المباخر ممن يضفون مسحةً من القداسة على قياداتهم، ولا يوجد من رجالات دعوتنا وقادتنا من يستطيع احتكار الصواب، فقد قالها المؤسس رحمه الله: "وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم"،

· تعلمنا منكم أن ما يربطنا أسمى رابطة قدسية مهما اختلفنا ، وأن اختلافنا خلاف عقول لا قلوب، مع إحسان الظن والتواضع مع المخالِف والحوار بطرق راقية وأدبٍ جمّ وذوق، ومحاولة عرض وجهة النظر بأسلوب يرضاه الله تعالى ، وهذا ما قاله يونس الصدفي : ما رأيتُ أعقلَ من الشافعي، ناظرتُه يوماً في مسألة، ثم افترقنا ولقيني، فأخذ بيدي، ثم قال: "يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في المسألة"

· وتعلمنا منكم الاعتراف بالخطأ إن رأينا الصواب فيما يقول أخونا، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة المسلمين أقرّ بخطئه ولم يستحِ فإن الله جل وعلا لا يستحي من الحق، فقال عمر "أصابت امرأةٌ وأخطأَ عمر "..

· وتعلمنا منكم التودّد مع من اختلفنا معه حتى لو بقي كلّ منا على موقفه،وهذا علي رضي الله عنه يقول لطلحة بن عبيد الله بعد موته، وكان بينه وبين طلحة خلاف يوم الجمل: "إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك في الذين قال الله عز وجل فيهم "وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ "

· تعلمنا منكم مراعاة الموضوعية، فلا نرفض الحق لأنه جاء على لسان فلان ، يقول الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه " لا تعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله"، وقال بعض الصحابة "اقبل الحق ممن قاله وإن كان بغيضًا، ورُدّ الباطل على من قاله وإن كان حبيبًا ".

· وتعلمنا منكم محاولة التركيز على نقاط الالتقاء أكثر من مواضع الاختلاف، والتودّد مع المخالِف ، يقول الشاعر الإسلامي محمد التهامي "والحب يشفى المعضلات يحلُّها * حلاًّ، به كل النفوس تطيب"،ويا له من حبّ راقٍ ذلك الذي يجمعنا على غير أنساب بيننا،وينتهي في ظلٍّ ظليل عند مليكٍ مقتدر.

· وتعلمنا منكم أن الاحتكام إلى مرجعٍ مُرجِّح، والاستنجاد بمنْ يفهم موازين الشرع وفقه الواقع وبواطن الأمور، فريضة شرعية وضرورة بشرية تسير بها أمور الدعوة وتقضي بها مصالح الناس، ولله در القائل واصفًا نجاح قومه، فقال "نحنُ ألفٌ، وفينا واحدٌ حازم، ونحنُ نشاورهُ ونطيعهُ، فصرنا ألفَ حازم" تلك هي قيادة الدعوة، سمو في قناعة، وإقدام في وعي، واقتحام في ريث، كأنها تملك ما هنالك وبيدهاِ زمام الأمور كلها.

· وتعلمنا منكم أن سفينةَ الدعوة لا يمكن أن تُوحِّد قلوب أصحابها عواطف وأقوال هامشية، بقدر ما تتوحد على قلبِ رجلٍ واحد، تسمع له وتطيع، فيتحقق وصف الحبيب "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم"، وهذا لا يمنع من أن نتحلى مع قيادتنا بما صرَّح به الإمام أحمد "لا نزالُ بخيرٍ ما كان في الناس مَن يُنكر علينا".

· وتعلمنا منكم إن كان لقيادتنا علينا حق السمع والطاعة، فإنَّ لنا عليهم حق النصح والوعظ والإرشاد وحق المشورة، ولكن بآدابِ النصيحة التي تربينا عليها، وتعلمنا منكم أن النصيحة ومراجعة القيادة مما يقوي الجماعة ولا يضعفها، ويمدها بطاقاتٍ من الحيوية والتجدد تزيد في فعاليتها, وينفي عنها الخبث والعجز وكل ما يمثل عبئًا وثقلاً وقيدًا عن التطور والعطاء،


هكذا علمتنا الدعوة

علمتنا الدعوة أنَّ القيادةَ التي تخاف من النقد أو النصيحة غير جديرة بالبقاء أصلاً، وعلمتنا الدعوة بأن نؤدي النصيحة على أكمل وجه وأن نقبلها على أي وجه، وعلمتنا الدعوة أن مَن وعظ أخاه سرًّا فقد نصحه وزانه، ومن وعظ أخاه علانيةً فقد فضحه وشانه، كما قال الشافعي- رحمه الله-، وعلمتنا الدعوة أن تكون النصيحةَ في المجالس المغلقة حتى لا تُسوق وتتحول إلى فتنةٍ قاتلة، والنصيحة الخاطئة لا يصح معها ادعاء الإصلاح ولا تبررها النية الحسنة، ولله در القائل: "إذا طلبت الأجمل فاستر ولا تُخبر وتخلَّق بخلقِ الكرام"، وعلمتنا الدعوة أن ذكر مساوئ الرجل على الملأ عونًا على دمه، كما قال أبو معبد رحمه الله، وعلمتنا الدعوة أن الطعن في أصحاب الفضل والسبق من أكبر أبواب الفتنة، وعلمتنا الدعوة أن من شروط النصيحة أن يُقصد بالنصيحة وجه الله تعالى، وأن تكون برفق ولين، وأن لا يُقصد بها التشهير، وأن تكون سرًّا، وأن يختار لها الوقت المناسب، وألا تكون على سبيل الإلزام.

وعلمتنا الدعوة أننا تحكمنا قيم أصيلة في دعوتنا، مثل الحب في الله، وحسن الظن، والشورى، وتوقير الكبير، والرحمة بالصغير، ومعرفة حق القائد والعالم والسابق، وتقدير اللاحق، وحفظ سلامة الصدور، وأن نجتمع على الصواب خير من أن نتفرق على الأصوب، والدفع بالتي هي أحسن، وغيرها، وعلمتنا الدعوة حرية إبداء الرأي، والإدلاء بالدلو، والاستفهام في كثير من المواقف، والاعتراض والرفض في بعضها في سياج من الأدب وحسن الخلق، دون تسفيه أو تعدٍّ، وبذل الجهد في إقناع القيادة برأينا، وحشد الدلائل على ذلك، وهذا بالطبع يحتاج إلى جهدٍ جهيد، وصبر جميل، واستحضار للنيات الصالحة، والتخلص من حظ النفس، والاستعانة بالدعاء، واحتساب الأجر عند الله عز وجل، وعدم نسيان القواعد المرعية والآداب الشرعية التي تحكم كل ذلك، وعلمتنا الدعوة أته لا مجالَ بيننا للصائد في الماء العكر، يقول ابن عباس- رضي الله عنه-: "لا تكَلَّمن فيما لا يعنيك حتى تجد له موضعًا، ولا تُمار سفيهًا ولا حليمًا فإنَّ الحليمَ يغلبك، والسفيه يزدريك"، ويقول الإمام ابن تيمية: "فإن الأمرَ والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد، هو بميزان الشريعة".


حفظ الله دعوتنا وجماعتنا وقيادتنا وصفنا وإخواننا من كل سوء ، وثبتنا على الحق حتى نلقاه