الجمعة، ١٨ أبريل ٢٠٠٨

أحكام عسكرية لن تكسر الإخوان




تهيئة

عظيمة أنت يا دعوة الإخوان ، وعظماء رجالك ونساؤك وأشبالك وزهراتك ، ولا تظهر تلك العظمة إلا في أحلك المواقف ، ولا تظهر إلا حينما تشتد المحن على الطريق ، تلك المحن التي هي من سنن الدعوات ، وقديما رددتها أجيال الإخوان مع شاعر الدعوة ، ورددناها معهم في أولى لحظات الالتزام :

دنيا المجاهد كلها محن لصهر رجالها

الشوك بين ظهورها والزهر فوق هضابها

فأدركنا من خلالها أن طريق الدعوة محفوفة بالمكاره ، وتربينا على أن طريق الدعوة ملئ بصولات وجولات بين الحق والباطل ، وأن ذلك الصراع أبدي حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وتأتي أحكام المحاكمة العسكرية لتكون جولة جديدة من جولات الصراع بين الحق والباطل ، لتؤكد لنا ببصيرة نافذة وبإدراك ووعي بسنة الله في الدعوات ، صدق ما قاله الإمام البنا حول طبيعة الطريق الذي اختاره وسار عليه مؤمنا به ومدركا لأعبائه وتبعاته ، فقال " وستدخلون بذلك ولاشك في دور التجربة والامتحان ، فتسجنون وتعتقلون ، وتنقلون وتشردون ، وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم ، وتفتش بيوتكم ، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون " ، ففي واحدة من المحاكمات الجائرة والظالمة التي حفل بها تاريخ دعوتنا ، حيث مرت الدعوة بسبع محاكمات عسكرية جائرة ، انتهت هزلية المحاكمة العسكرية الأخيرة بأحكام ذكرتنا بعصور الظلمات الناصرية السوداء ، حيث قام النظام بمسرحية هزلية ساقطة ، في شكل ولادة متعثرة وصلت أحكامها إلى عشر سنوات مع مصادرة الأموال والممتلكات ، في جولة للباطل، لم يستطع رغم ظلمه وجبروته وبطشه أن يقف فيها إزاء الحق وأهله .


يوم بكت فيه مصر

كم كان ذلك اليوم عصيباً على النفوس ، ذلك اليوم الذي بكت فيه ومنه وعليه مصر كلها ، يوم مشهود بالسواد الذي اكتست به مصر ، من جراء محاكمة عسكرية جائرة وظالمة وبالغة الغرابة لخيرة شرفاء مصر ، واكتوى ذلك اليوم بأفعال أقل ما توصف به أنها أفعال البربر والتتار وغزاة الديار ، حينما تنتهك حرمات النساء والأطفال والشيوخ ، مما ذكرنا بقول الشاعر :

" يا واحة الأمان أقفري ..

قد استبيحت الحرم ..

وسيقت النساء والأطفال للحمم ..

ليطعموا لوحشة الظلم ..

ليطفئوا ابتسامة الصغير ..

ليهتكوا قداسة الحرم "

وقد كان ، فقد رأينا الوحوش الكاسرة من قوات أمن النظام تنقض على أهالي المعتقلين ضربا وركلا وصفعا ، وانتهكت حرمات الأهالي من النساء والأطفال ، وذرفنا الدمع مدرارا ونحن نرى عائشة حسن مالك وأخاها الأصغر يبكيان هلعا مما وقع لاختهما خديجة من ضرب واعتقال لأخويهما حمزة وأحمد ، ويخافان أن تطالهما يد قوات أمن التتار ، ورأينا الضرب والسحل والتضييق ثم الاعتقال ، لأهالي المعتقلين وذويهم ، من قوات التتار التي لا تفرق بين طفل صغير أو شيخ كبير أو امرأة باكية، وطوقوا عشرات من أبناء المحاكمين الشرفاء وأقربائهم وتلاميذهم ثم ألقوهم في سيارات الترحيلات، في صورة وحشية غير مسبوقة ، تكشف عما في نفوس هؤلاء العتاة المجرمين ، الذين لا يرقبون في مؤمنة إلاً ولا ذمة ، إنه بحق يوم أسود ، طالت يد الظلم فيه الصغار قبل الكبار والنساء قبل الرجال ، حتى طالت الجميع بما فيهم رجال الصحافة والإعلام ورجال المنظمات العربية الدولية ، وضاقت صدرونا واحتبست أنفسنا وسالت دموعنا مما جعلني أردد مع القائل " واهتز قلبي الذي قد هده العذاب ، أحسست رعشت بجسمي الذي يخاف غضبة الذئاب " فقد كان يوما عصيبا بكت فيه مصر .


لن تنكسر دعوتنا : رغم ما حدث ومهما تجاوز الظالمون المدى فلن تنكسر دعوتنا ، لقد تجاوزت أفعال جهاز الأمن التتري كل الحدود ، في صورة غير معهودة ، و أحسب أن هذه الأفعال ما كان يريدوها أمن التتار إلا استفزازا لمشاعر الإخوان ، والوصول بهم إلى حالة من الاختناق والانفجار حتى يستثاروا ، لكي تتحول ردود أفعالهم إلى غضبة شعبية تكون ذريعة للنظام التتري لكي يكمل جريمته بالقضاء على الإخوان واستئصال شوكتهم ، واستباحة دمائهم وأعراضهم ، لقد ولدت أفعالهم في النفس شعورا بالغضب وطاقة كامنة من الضيق والانفجار الداخلي ، ولكن ما كان لهم أن ينجحوا في كيدهم ومخططهم ، بفضل صبر الإخوان وثباتهم وحكمة قيادتهم الراشدة ، ولذلك فلن تنكسر دعوتنا.


لن تنكسر دعوتنا :
فقد تعلمنا من القرآن الكريم والسيرة النبوية أن دعوة الله منتصرة ، رغم كل العقبات والمحن ، وأنها تسير برعاية الله وحفظه لها ، وما أصحاب الدعوات إلا أستار
القدرة ، يمضون وهم ثابتون مطمئنون واثقون من صدق دعوتهم وسلامة طريقهم " حتى إذا استيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين " " والله ليتمن الله هذا الأمرحتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه " وتعلمنا من القرآن والسنة أن هذه الأحكام الظالمة الغاشمة، لن تُؤثِّر في قوةِ الجماعة ولا تماسكها، وإنما تزيدها قوةً وإصرارًا على طريقها الذي تنتهجه لإصلاح المجتمع تحت شعار "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ".


لن تنكسر دعوتنا : مادام فيها قيادة حكيمة راشدة ، تحتمل الصعاب والضغوط ، وتقف في وجه الظالمين ،وتمضي بالقافلة غير عابئة بظلمهم وجبروتهم ، ولقد أعلنها فضيلة المرشد " وليعلم الظالمون أنهم كلما أوغلوا فى ظلمنا وأسرفوا فى اضطهادنا، إنما يزيدوننا بذلك قوة واستمساكاً بالحق، وكلما زادت دعوتنا – بفضل الله – انتشاراً وتجميعاً للقلوب والعقول والعواطف، وإن غداً لناظره قريب " وأعلنها د الكتاتني" هذه الأحكام لن تثنينا عن طريق الاصلاح السلمى الذى ارتضيناه طريقا ولا عن مهاجمة الفساد والمفسدين الذين يسرقون قوت البلاد والعباد " ، وصرح بها د محمد مرسي " أن جماعةَ الإخوان رغم هذه الأحكام القاسية سوف تستمر في أداء رسالتها والقيام بدورها الإصلاحي لتحقيق مصالح الأمة ورفعة شأن هذا الوطن والدفاع عن حقوقه، والعمل على تنميته " ، وأفصح عنها أ صبحي صالح " أنَّ الإخوان لن تتراجع عن طريقها، ولا منهجها مهما كانت الضريبة، وعلى النظام الذي كشف ضعفه وفشله بهذه الأحكام أن يفهم أنَّ الإخوان باقية بتمسكها بحقوقها وهو الذي سيزول بباطله واستبداده لا محالة " .



لن تنكسر دعوتنا : مادام بها رجال كأمثال هؤلاء المحكوم عليهم بتلك الأحكام الجائرة ، فلم تلن لهم قناة ولم تنكسر نفوسهم ، بل أعلنوها قوية في وجه الطغاة ، في بيانهم الصادر بعد إعلان الأحكام " ونعاهد الله على الاستمرار في دعوتنا السلمية من أجل الإصلاح وتحرير الوطن من الاستبداد والفساد وتحقيق العدل والمساواة وإطلاق الحريات ورفع المعاناة عن الشعب المصري" .


لن تنكسر دعوتنا : مادام بها رجال كأمثال هؤلاء المحكوم عليهم بالخارج والذين أعلنوا فور صدور الأحكام " أنهم جميعًا مستعدون لدفع ضريبة الإصلاح الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وأنهم لن يتراجعوا عن استكمال مسيرة الإصلاح مهما كانت التضحيات، واصفين الأحكام العسكرية الصادرة بحقهم بالمهزلة الكبرى" .


لن تنكسر دعوتنا : مادام بها مثل هذا الأسد الجسور خيرت الشاطر ، الذي يقف في وجه جلاديه وقضاة الظلم قائلا " إن النظام لو استمر في حجز الأموال ، بل وتطور الأمر إلى الأرواح ، فإن الإخوان لن يتراجعوا عما يؤمنون به ، وسيظلون جنودا لهذا الوطن يسعون لنهضته ، ولن يتركوا سفينة الوطن ليغرقها المفسدون "


لن تنكسر دعوتنا : مادام بها أخوات فضليات من أسر المعتقلين ، يواجهن تلك الأحكام - رغم الدموع المنهمرة - برباطة جأش ، ونفوس تسمو سمواً يليق بهذه الدعوة ، فتنطق إحداهن " إنها لم تكن في هذه القوة من قبل؛ حيث منحها الله صبرًا وثباتًا، فالله نزَّل عليهم الابتلاء فتحوَّلت من امرأةٍ مسلمةٍ تُربِّي أبناءها ، إلى زوجةٍ صامدةٍ تشد من أزرِ زوجها " وتعيد الكلام بصيغة أخرى بأن الله قد اصطفاها هي وأخواتها من زوجاتِ المعتقلين بابتلاءٍ كابتلاءات الأنبياء، وهُنَّ عليها صابرات محتسبات .


لن تنكسر دعوتنا : مادام في دعوتنا رجال وشباب من أبناء هذه الدعوة وجنودها الواقفين خلف قيادتهم في صف واحدة على قلب رجل واحد ، كما رأينا في مساهماتهم ورسائلهم إلى أخوانهم المغيبين خلف القضبان ، وإلى قيادة دعوتهم ، مساندين ومؤازرين ، في تجسيد رائع وتلاحم فريد بين القيادة والجنود .


لن تنكسر دعوتنا : بشهادة الغير لها وهذا ما نطق به د رفيق حبيب حينما قال تعليقا على الأحكام بأن الجماعة هي " الكيان السياسي والإصلاحي الوحيد الذي له امتدادات في المجتمع المصري تجعله حاضرا في كل جزء أو منطقة أو فئة من المجتمع، ولها بنية جماهيرية وبنية تنظيمية، تجعلها هي الحركة الوحيدة المؤهلة للسيطرة على حركة الشارع، والوحيدة القادرة على قيادة حركة الشارع وبمهارة تنظيمية تمكنها في وضع حركة الشارع في إطار منظم " .


لن تنكسر دعوتنا : فقد علمتنا صفحات التاريخ ، أن ما يحدث الآن هو أولى المبشرات لنهاية حكم متسلط جبار ظالم ، فحينما اشتد ظلم أصحاب الأخدود كانت نهايتهم ، وحينما اشتد فرعون وحاشيته مع السحرة الذين آمنوا كانت نهايته ، وحينما اشتد فرعون القرن الماضي في جبروته واعتقل أكثر من ثلاثين ألفا في 54م كانت هزيمته في 56 ، وحينما كرره جبروته في 65 م كانت هزيمته في م 67 ثم نهاية عصره ، والتاريخ يذكرنا أين الجلادون شمس بدران وصلاح نصر و حمزة البسيوني ؟ وهكذا التاريخ كله ، يمضى الطغاة والظالمون إلى نهايتهم المحتومة ، وتبقى دعوة الله راسخة القواعد عالية البنيان .


لن تنكسر دعوتنا : بما لدينا من ثقة ويقين في أن وعد الله آت ، وأن الشرفاء المعتقلين لن يقضوا فترة حبسهم ، وأن نهاية الظالم الجلاد قريبة بإذن الله ، ولن يطول بقاء الشرفاء في حبسهم حتى يروا النور بينما ظالمهم في ظلمات قبره ، يلقى مصيره المحتوم من الملك الديان .


إن الله معنا

نقولها بكل قوة ويقين لكل أحبابنا وقادة دعوتنا المغيبين خلف القضبان ، لا تحزنوا فإن الله معكم ومعنا ، سيدي خيرت الشاطر الصابر المحتسب المبتَلى بسبع سنوات في السجن ظلمًا وجورا، لا تحزن فإن الله معك ومعنا ، سيدي حسن مالك الصابر المحتسب المبتَلى بسبع سنوات في السجن ظلمًا وجورا، لا تحزن فإن الله معك ومعنا ، سادتنا وإخواننا المحكوم عليهم غيابيًّا بعشر سنوات وخمس سنوات ظلمًا وعدوانًا،لا تحزنوا ، فإن الله معكم ومعنا، إخواننا وأحبتنا الصابرين المحتسبين المبتَلين بخمس سنوات وثلاث سنوات في السجن ظلمًا وجورا، لا تحزنوا فإن الله معكم ومعنا، إخواننا وأحبتنا وفلذة أكبادنا الذين صودرت أموالهم وشُرِّدت أسرهم وقُمِعَت في هذا اليوم لا تحزنوا؛ فإن الله معكم ومعنا، أمهاتنا وأخواتنا وأبناؤنا وبناتنا من أسر المعتقلين ، يامن حبس أولياء أموركم ظلما وجورا ، لا تحزنوا فإن الله معكم ومعنا ، ووالله الذي لا إله غيره ، لن يهنأ جلادوكم بهذه الأحكام ، ولن تطول فترة حبسكم فهلاك ظلامكم قد اقتربت ساعتهم ، وسترون ما يلحق بهم في دنياهم قبل آخرتهم في أولادهم وأسرهم "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ " ، وما هلاك من سبقوهم رغم أحكامهم الظالمة منكم ببعيد .


جهاد المرحلة

ما أحوج دعوتنا الربانية في هذا الظرف العصيب إلى الثبات الذي هو جهاد المرحلة ، ثبات يجعلنا نوقن أن البلاء مقترن بالإيمان ، ثبات على المبدأ وعلى المنج التربوي السليم البعيد عن انفعالات اللحظة ، ثبات والتفاف حول القيادة والجماعة ، ثبات حول أصولنا وثوابتنا الحركية ، ثبات يجسد مقولة المؤسس رحمه الله " ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول وأنيروا أشعة العقول بلهيب العواطف " ، ثبات يؤكد صدق التوجه إلى الله وحسن الإستعداد للتضحية في سبيله ، والوفاء ببيعته ، ثبات يعلن المضي نحو الغاية وأهدافنا المنشودة ، ثبات يحقق فينا قوله تعالى "مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً " ، ثبات يجعلنا لا نندفع الى رد فعل متسرع بل إلى خطة حكيمة ومنهج قويم في التغيير ، ثبات يدعونا الى التمسك بالفرائض والنوافل والنجاح فى كل مجالات العمل الدعوي ، والتركيز فى دعوة المجتمع ، ثبات يجعلنا ندرك أن النصر إنما هو صبر ساعة وأن النصر مع الصبر والفرج مع الكرب ، حتى ننتزع الحق من الظالمين ، ثبات يوجب علينا أن نخلف قيادتنا المعتقلة ؛ ليس في أهليهم وأولادهم فقط، ولكن أيضًا في دعوتهم وواجباتهم وتكاليفهم؛ بمضاعِفة الجهد، وبذل ما في الوسع ، ثبات يجعل الإخوان المسلمين، كما أعلنوا دائمًا، مصرُّين على الإصلاح مهما كان الثمن والتضحيات، ولن يكلُّوا ولن يملُّوا من الدعوة إليه، ثبات يجعلهم في انتفاضةٍ جديدةٍ بعد هذه الأحكام الجائرة لمواصلة طريق الإصلاح بهمةٍ عاليةٍ وثبات على المواقف وجرأة في الحق وإيمان صادق ، ثبات يجعلهم متمسكين بإرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل ، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر .


مسك الختام

توجيهات من مرشد الجماعة للصف كله " وأنتم أيها الإخوان المسلمون، فعليكم أن تثبتوا على دعوتكم ومبادئكم ومنهجكم وعليكم أن تضاعفوا حركتكم ونشاطكم، وأن تعلموا الظالمين أنهم إن اختطفوا منا رجالاً فستنبت الدعوة رجالاْ ورجالاً حتى يتحقق النصر للإسلام – بإذن الله - ، وعليكم بالاستمرار فى الابتهال والدعاء إلى الله سبحانه وتعالى أن يكشف الغمة عن هذه الأمة، وأن يحرر المظلومين ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون " ، ويوجهها أ جمعه أمين للصف قائلا " فاثبتوا وتوكَّلوا على الله، إن وراء الساعة أهوالاً شدادًا، وأمورًا عظامًا، وزمانًا يتحكم فيه الفسقة، ويتصدر فيه الظلمة، فأعدوا لذلك الإيمان، عضُّوا عليه بالنواجذ، وأكثروا من العمل الصالح واصبروا على الضراء تفضوا إلى النعيم المقيم ، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، وسيكتب النصر للمؤمنين ".

الخميس، ١٧ أبريل ٢٠٠٨

وفاة والد أخينا عبد المنعم محمود


" كل نفس ذائقة الموت "
توفي إلى رحمة الله عز وجل صباح اليوم والد أخينا الحبيب عبد المنعم محمود مراسل قناة الحوار وصاحب مدونة أنا إخوان



والجنازة عصر اليوم من مسجد الإمام البخاري بمنطقة السيوف - الساعة - اسكندرية

الله نسأل أن يحشره في زمرة الصالحين، وأن يثبِّت أهله وأن يلهمهم الصبر والسلوان ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وإنا لله وإنا إليه راجعون

وقد نعاه فضيلة المرشد العام :

يقدم فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين خالص العزاء لعبد المنعم محمود مراسل قناة (الحوار) في وفاة والده؛ الذي وافته المنية صباح اليوم الخميس 17 أبريل، داعيًا المولى سبحانه وتعالى أن يُسكنه فسيح جناته، وأن يُلهم أهله الصبر والسلوان.

الجمعة، ١١ أبريل ٢٠٠٨

لاتخرقوا سفينة الدعوة


مقدمة

"خذوا علي أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا" مقولة رائعة وتوجيه راشد للصحابي الجليل النعمان بن بشير قالها وهو يعقب على قول الحبيب صلى الله عليه وسلم " مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا ، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعاً " تذكرت هذه المقولة وهذا الحديث وعشت في ظلال معانيه التربوية والدعوية ، وأنا أتابع ما يدور هذه الأيام عبر الانترنت وعالم المدونات به ، وما يتناقل هنا وهناك غمزاً ولمزاً ، في دعوتنا وقيادتنا وسفينتنا التي تحملنا جميعا ، تعقيبا على كل قرار يصدره الإخوان قد لا يعجب طائفة ما ، أو لا تدرك تلك الطائفة حكمته .

سفينتنا

يركب على ظهرها الشيخ الوقور بحكمته والشاب المتوقد بحماسته ، والأخ السابق بفضله واللاحق بهمته ، والقيادة الراشدة والجنود المخلصون ، والرجل والمرأة ، والأشبال والزهرات ، والنشيط والكسلان ، والحامل لدعوته والمحمول على أكتافها ، والمتيقظ والغفلان، والمؤمن بها والنفعي منها والمتردد فيها والمتحامل عليها من داخلها ، تحملهم جميعاً لوجهة واحدة ، وهي سفينة محكومة من ناحية بالموج المضطرب والرياح العواصف والمتمثلة في الابتلاءات والفتن والشبهات المثارة والشهوات المعروضة ، ومحكومة من ناحية اخرى بإدارة الربان وما تُتخذ من قرارات من قبل قادتها الأفاضل ، وعليه فهي تتأثر بكل حركة تقع فيها وحولها ، فتهتز مرة ذات اليمين وتهتز مرة ذات الشمال، وقد تستقيم على الجادة أحياناً أو تغيب مؤقتا أحيانا أخرى ، ولن يكتب لها السلامة والاستواء فوق الموج المضطرب حتى يكون كل شخص فيها على حذر مما يفعل، ويقظة لما يريد ، وأن نعلم جميعا أن لنا أعداء خارج سفينتنا يتربصون بنا الدوائر، ويسعون جادين لتخريبها وإفسادها، وأسهل وسيلة لتحقيق هدفهم أن يجدوا منا –ركاب السفينة- من يخرق فيها خرقا يتسرب منه الماء إلى داخلها ، فيكون سببا في إغراقها وإهلاك ركابها .

ولو تذكر كل أخ بهذه الدعوة أن كل حركة يأتيها تتأثر بها سفينة دعوته سلبا أم إيجابا ، فتهتز وتترنح أو تثبت وتقوى ، لو تذكر ذلك لما ترك نفسه تغوص فيما قد يخرق سفينة الدعوة ، لوعاش دعوته لانتبه لنواقض العمل الجماعي " شح مطاع ، هوى متبع ، دنيا مؤثرة ، إعجاب كل ذي رأي برأيه " وتخلص منها ، ولعمل حساباً لكل خطوة يخطوها وكل حركة يتحركها حرصاً على نجاته هو ونجاة كل من معه على الطريق ونجاة سفينة دعوته .


وضوح الرؤية

إن الهدف العظيم الذي نسعى إليه جميعا ، لا بد له من منطلقات نجتمع عليها نحن ركاب السفينة ، قادة وجنودا ، شبابا وشيوخا ، ومن أهم هذه المنطلقات التي يجب أن تكون واضحة :

1. اجتماعنا من أجل تحقيق غاية واحدة " الله غايتنا " ، ومن أجل تحقيق هدف واحد "الخلافة الإسلامية وأستاذية العالم " ، وكلما كانت الغاية واضحة وخالصة من كل شائبة ، وكلما كانت أهدافنا واضحة ومحددة ، كان مدار النجاح والفلاح في طريقنا ومنهجنا .

2. ركوبنا سفينة الدعوة يستوجب منا الالتزام بشروط وعهود والتزامات السفينة التي لا بد منها لضمان سيرها وتضافر الجهود في الاتجاه الصحيح ، وقد حدد لنا إمامنا الشهيد الأركان الأساسية التي يجب أن يلتزم بها كل من سلك سبيل الدعوة وركب سفينتها

3. دوافعنا للعمل والحركة هي التعاون على البر والتقوى ، لا الأهواء أو الاستجابة لوساوس الشيطان أوالحرص على الزعامات ، وأن الارتباط في سفينة الدعوة بالمبادئ لا بالأشخاص ، فلا تمحور في دعوتنا حول أشخاص مهما كانوا .

4. الشورى ركيزة العمل التي تستقيم بها سفينة الدعوة ومن عليها ، ولا تنازل عنها أبدا ، وأن مجريات الأمور كلها في هذه السفينة تسير وفق المبدأ القرآني " وأمرهم شورى بينهم " .

5. الحرية التي يستوي فيها الراعي والرعية والحاكم والمحكوم ، والقائد والجندي ، فلا يملك أحد أن يحد من حرية الفرد والأسرة والجماعة أو يقفها ، إلا تعدي صاحبها الحد المشروع وإلحاق الضرر بنفسه أو بغيره من عباد الله، فما دامت تصرفات المسلم محاطة بسياج شرع الله، غير معتدٍ بها صاحبُها على حقوق الله وحقوق عباده، فلا يجوز لأحد سلب حرية آخر...

6. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة ، هو القاعدة العظيمة التي تحفظ لسفينة الدعوة ضرورات حياتها ومكملاتها، وتحفظ ثباتها على المبادئ ، وتمنع انحرافها عن الجادة .


بداية الخرق

حكمة جليلة قالها الفاروق عمر : " تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية“ ، ولذلك فحين ينفلت الأخوة بلا ضابط ، فلا تحكمهم ضوابط السفينة ، ولا يحكمهم المربون في الدعوة ، وحين تصبح مهمة التوجيه مفقودة ، وتأخذ الموجة مداها ، وتصبح الأمور كلها بالصوت العالي ، وقد تغري النصيحة البعض ، فيلغون في دماء اصحاب الفضل والسبق والقيادة والريادة ، حينذاك تتحقق السنة الماضية، وتصبح السفينة مليئة بالخروق ، ومعرضة للغرق ، ولذلك فقد لا تقوى معاول الأعداء مجتمعة أن تنال من الحركة ما بقيت محصنة من داخلها ، في الوقت الذي قد تجهز عليها فتنة داخلية فتجعلها هباء منثوراً ، وذلك ناتج عن ضعف التقوى والورع في النفوس ، والذي هو مدخل شيطاني إلى الترخص واستصغار الذنوب والتساهل مع النفس مما يؤدى إلى ارتكاب الموبقات والكبائر تحت شعارات ومبررات براقة كلها في الحقيقة من تلبيس إبليس وهذا ما أشار إليه الصحابي الجليل حين قال " إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات" ، ومن هنا فإن احتراف النقد وامتهان الغيبة والنميمة وتتبع العورات وتطاول الألسن على القيادة والجماعة ، وشيوع ذلك وانتشاره بين الصف واستساغته بحجة تصحيح الأوضاع وبنية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كل ذلك يعد من أكبر وسائل خرق السفينة ويعد أيضا من عوامل الفتن التي تشق الصف وتنقض الغزل وتأتى على بنيان الجماعة .

وقديما قالها عبد الله بن سبا حينما كتب إلى أعوانه قائلا " انهضوا في هذا الأمر ، فحركوه وابدءوا بالطعن على أمرائكم ، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر " ، فهو داء عضال ابتليت به الأمة الإسلامية على امتداد تاريخها ، وكان من نتيجته في كل حين ، إحباط النفوس وتصدع الصفوف وفقدان الثقة وانكشاف الضعف أمام العدو ، وهكذا كانت بداية الفتنة في تاريخ الإسلام ، الطعن على الأمراء وإظهار ذلك في ثوب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وهذا ما يجب التعامل معه بحذر، وهذا فقه من أدرك مداخل الفتنة وأبواب الشيطان .

مظاهر الخرق

تتعد الصور التي يمكن ان تسهم في خرق السفينة سواء قصد الفاعل ذلك أم لم يقصد ، ومن هذه المظاهر وتلك الصور :

· من يخالف قرارا صدر من دعوته بعد مشورة تنظيمة ، ويجاهر بخلافه في وسائل الإعلام فقد خرق سفينة الدعوة .

· من سمحت له نفسه أن يتطاول على أساتذته في الدعوة دون مراعاة وداد لحظة سابقة ، فقد خرق سفينة الدعوة .

· من يتجاوز كل القنوات الشرعية والتنظيمية للنصيحة وإبداء الرأي ويعرضها على الملأ فقد خرق سفينة الدعوة .

· من لم تجد إلا عالم الانترنت لتكتب رسالتها إلى والدها المرشد ، وتركت كل قنواتها الشرعية والتنظيمية ، فقد خرقت سفينة الدعوة .

· من لا يجد إلا رسائل الطعن في جماعته عبر المدونات فينقلها إلى الصحافة بدون وعي ، فقد خرق سفينة الدعوة .

· من لم تجد إلا عالم التدوين لتنفس عما في نفسها تجاه دعوتها ، فقد خرقت سفينة الدعوة .

· من يستجيب لشبهات الآخرين ضد قادة دعوته ويجاريهم في أطروحاتهم دون تبين وجه الحق، فقد خرق سفينة الدعوة .

· من حركته دوافعه الشخصية لا همومه الدعوية وانتقص من دعوته وقيادته ، فقد خرق سفينة الدعوة .

· من شغلته رغباته الذاتية عن أهداف سفينته الدعوية ، فقد خرق سفينة الدعوة .

· من عبر عن رأيه بصورة جارحة وبغير التزام بأدب النصيحة وفي كل باب مفتوح له ، فقد خرق سفينة الدعوة .

· من احتضن تجمعا عاما عبر قنوات غير تنظيمية لفرض رأي مغاير لسياسة دعوته وقادته ، فقد خرق سفينة الدعوة .

· من تناجي دون قيادته وأحدث في دعوته جيوباً هنا وهناك ، فقد خرق سفينة الدعوة .

· من طعن في آلية اتخاذ القرار في دعوته ، وطعن في قياداته وشكك في مصداقيتها ،متهما إياها بالقعود والتخاذل ، واصفا إياها بالتردد في سياساتها ، أو أنها صاحبة صفقات رخيصة ، فقد خرق سفينة الدعوة .

وفاعلو هذا الخرق - عن قصد أو غير قصد – لا يتقون الله في أعراض إخوانهم وقيادتهم ودعوتهم ، فقد خاضوا بلا تحفظ في التعبير أو أدب في الخلاف أو موضوعية في النقد أو تخير للأطر التنظيمية التي يجب أن تطرح فيها آراؤهم ، وقد تناسى هؤلاء الأوامر الإلهية " وقولوا للناس حسنا " و " اتقوا الله وقولوا قولا سديداً " وقول الحبيب صلى الله عليه وسلم وتحذيره "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله بها سخطه إلى يوم القيامة " وناسين أيضا الحكمة القائلة " ليس كل ما يعرف يقال ، وليس كل ما يقال جاء وقته ، وليس كل ما جاء وقته حضر رجاله " .

وفيكم سماعون لهم

قد يصيب الله الدعوة بأن يوجد بين أفرادها الصائد في الماء العكر ، ومن يتصيد الأخطاء والعثرات والزلات والسقطات -إن وجدت - في أقوال وأفعال قادة الدعوة ، وخطورة هذا الصنف ليس في أشخاصهم المريضة ولكن في أثرهم على أصحاب النيات الحسنة في الصف كما قال تعالى " لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة و فيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين " واستسمح القارئ الكريم أن أسوق بعضا من كلمات هذا الصنف المريض لندرك حقيقة هؤلاء وهل يقصدون إصلاحا فعلا أم ماذا؟ ، فمن أقوالهم : (( ولكن وجهة نظري أن الجماعة قد ترهلت وتحتاج إلى تقويم على جميع المستويات - وبمنتهى الأمانة والصراحة اقول ما اقدرش اقول حاليا اني مصدق كلامكم بنسبة مية في المية - هذا تخاذل وانتحار سياسي وتأكيد على انعزال الاخوان عن قضايا الشعب - انتم من المطرفين الذين اصابتهم الاموال بالتخمة ولا تعانون كما يعاني معظم الاخوان - والله لن تفعلوا أي شيء بهذه السياسة المترددة - وواضح ان هناك منبطحين داخل قيادات الاخوان وهؤلاء مرفوضون من جموع الاخوان المساندين - هذه العاطفه الكاذبة التي تضع مقدرات الجماعه ومصالحها واهدافها في يد نخبة من النفعيين يسوقون فيها الجماعه )) هذه نماذج من كتابات هذا الصنف ، وهؤلاء لهم سابقة في تاريخ الاسلام ، ففي غزوة تبوك قال رجل" :ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ،ولا أرغب بطونا ولا أكذب حديثا ولا أجبن عند اللقاء ، فقال رجل في المجلس : كذبت ولكنك منافق و لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، ومن هنا نؤكد أنه ليس من المقبول ولا المفهوم ولا المصدق ، أن ينبري بعض أبناء الدعوة ، إلي لمز وهمز الدعوة وقادتها ، الذين باعوا أنفسهم وأموالهم و أوقاتهم لله ، وكان الأولي بهؤلاء ، أن يزيلوا عن أنفسهم سحب الجهالة ، وأوهام الغرور ، ونزغات الشياطين ، فلا يلجوا في غرورهم ، ويسدروا في شكوكهم ، ويظلوا في أوهامهم ، وينظروا إلى قادة سفينتهم بمناظير سوداء ، وقلوب عمياء ، وعن هؤلاء حدثنا الإمام البنا فقال " وإن كان فيكم مريض القلب معلول الغاية مستور المطامع مجروح الماضي ، فأخرجوه من بينكم فإنه حاجز للرحمة حائل دون التوفيق "

ريادة لا قداسة

سفينة الدعوة محفوظة بحفظ الله لها ، ومن هذا الحفظ يقيد الله لها من يقودها إلى بر الأمان ، وهي قيادة تتمتع بالريادة لا القداسة ، فلا نرى في دعوتنا أن القيادة ومن تولوا أمرنا أشخاصٌ لهم قداسة أو لهم عصمة من الوقوع في الخطأ ، أو أنهم فوق مستوى المساءلة أو المحاسبة أو تقديم النصح ، ولا يوجد في دعوتنا حملة المباخر ممن يضفون مسحة من القداسة على قياداتهم ، ولا يوجد من رجالات دعوتنا وقادتنا من يستطيع احتكار الصواب ، فقد قالها المؤسس رحمه الله " وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم " ولا أحد من قادة سفينتنا يحرص على أن يكون الاستسلام التام هو سمت الأتباع ، ولم تطلب قيادتنا أن تكون الإمعية والتقليد السلبي للآخرين، والنفسيات القطيعية التي تكثر من المدح والتملق للقيادة هي الروح السائدة بيننا ، ولم تطلب قيادتنا منا الولاء العاطفي الساذج ، ولكنه الواجب الشرعي الذي يلزمنا بالتمحور حول قيادة تضبط سلوكيات الأفراد ، وتلك هي قاعدة أبي حنيفة حينما قيل له في مسجد كذا حلقة يتناظرون في الفقه ، فقال: ألهمْ رأس؟ فقالوا: لا ، فقال: لا يفقهونَ أبداً"، إذاً فإن الاحتكام إلى مرجع مرجح ، والاستنجاد بمنْ يفهم موازين الشرع وفقه الواقع وبواطن الأمور ، فريضة شرعية وضرورة بشرية تسير بها أمور الدعوة وتقضى بها مصالح الناس ، ولله در القائل واصفا نجاح قومه ، فقال "نحنُ ألفٌ، وفينا واحدٌ حازم، ونحنُ نشاورهُ ونطيعهُ ، فصرنا ألفَ حازم" تلك هي قيادة الدعوة ، سموٍ في قناعة، وإقدام في وعي، واقتحام في ريث، كأنهاُ تملك ما هنالك وبيدهاِ زمام الأمور كلها ، ولذلك فإن السفينة لا يمكن أن توحد قلوب أصحابها عواطف وأقوال هامشية ، بقدر ما تتوحد على قلب رجل واحد ، تسمع له وتطيع ، فيتحقق وصف الحبيب "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم " ، وهذا لا يمنع من أن نتحلى مع قيادتنا بما صرح به الإمام أحمد " لا نزالُ بخيرٍ ما كان في الناس من ينكر علينا"، تلك هي قيادة السفينة كما نفهم ونعتقد ونتصور .

علمتنا الدعوة

علمتنا الدعوة إن كان لقيادتنا علينا حق السمع والطاعة ، فإن لنا عليهم حق النصح والوعظ والإرشاد وحق المشورة ، ولكن بآداب النصيحة التي تربينا عليها ، فقد علمتنا الدعوة أن النصيحة ومراجعة القيادة مما يقوى الجماعة ولا يضعفها ، ويمدها بطاقات من الحيوية والتجدد تزيد في فعاليتها , وينفي عنها الخبث والعجز وكل ما يمثل عبئاً وثقلاً وقيداً عن التطور والعطاء ، وعلمتنا الدعوة أن القيادة التي تخاف من النقد أو النصيحة غير جديرة بالبقاء أصلاً ، وعلمتنا الدعوة بأن نؤدي النصيحة على أكمل وجه وأن نقبلها على أي وجه ، وعلمتنا الدعوة أن من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ، ومن وعظ أخاه علانية فقد فضحه وشانه كما قال الشافعي رحمه الله ، وعلمتنا الدعوة أن تكون النصيحة في المجالس المغلقة حتى لا تُسوق وتتحول إلى فتنة قاتلة ، وخاصة حينما يستغل المغرضون أصحاب النوايا الحسنة منا في طعن جماعتهم ، فالنصيحة الخاطئة لا يصح معها ادعاء الإصلاح ولا تبررها النية الحسنة ، ولله در القائل" إذا طلبت الأجمل فاستر ولا تخبر وتخلق بخلق الكرام " ، وعلمتنا الدعوة أن ذكر مساوئ الرجل على الملأ عوناً على دمه كما قال أبو معبد رحمه الله ، وعلمتنا الدعوة أن الطعن في أصحاب الفضل و السبق من أكبر أبواب الفتنة ، وعلمتنا الدعوة أن من شروط النصيحة أن يُقصد بالنصيحة وجه الله تعالى ، وأن تكون برفق ولين ، وأن لا يُقصد بها التشهير ، وأن تكون سراً ، وأن يختار لها الوقت المناسب ، وألا تكون على سبيل الإلزام ، وعلمتنا الدعوة أننا تحكمنا قيم أصيلة في دعوتنا ، مثل الحب في الله، وحسن الظن، والشورى، وتوقير الكبير، والرحمة بالصغير، ومعرفة حق القائد والعالم والسابق ، وتقدير اللاحق ، وحفظ سلامة الصدور، وأن نجتمع على الصواب خير من أن نتفرق على الأصوب، والدفع بالتي هي أحسن، وغيرها ، وعلمتنا الدعوة حرية إبداء الرأي، والإدلاء بالدلو، والاستفهام في كثير من المواقف، والاعتراض والرفض في بعضها في سياج من الأدب وحسن الخلق ، دون تسفيه أو تعدٍّ، وبذل الجهد في إقناع القيادة برأينا ، وحشد الدلائل على ذلك ،وهذا بالطبع يحتاج هذا إلى جهد جهيد، وصبر جميل، واستحضار للنيات الصالحة، والتخلص من حظ النفس، والاستعانة بالدعاء، واحتساب الأجر عند الله عز وجل، وعدم نسيان القواعد المرعية والآداب الشرعية التي تحكم كل ذلك ، وعلمتنا الدعوة أته لا مجال بيننا للصائد في الماء العكر ،

توجيهات في كلمات

يقول ابن عباس رضي الله عنه "لا تكَلَّمن فيما لا يعنيك حتى تجد له موضعاً، ولا تُمار سفيهاً ولا حليماً فإن الحليم يغلبك، والسفيه يزدريك" ويقول ابن مسعود رضي الله عنه يقول "إن للقلوب شهوة وإقبالا، وفترة وإدبارا، فخذوها عند شهوتها وإقبالها، وذروها عند فترتها وإدبارها " ويقول سفيان الثوري رحمه الله "إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه "ويقول الإمام أحمد رضي الله عنه "لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ فيه خلاف في الفروع " ويقول الإمام السبكي " الصواب عندنا أن من تثبت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه، من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة، وإلا لو فتحنا هذا الباب أو أخذنا تقديم الجرح على إطلاقه، لما سلم لنا أحد من الأئمة" يقول الإمام ابن تيمية " فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنا لتحصيل مصلحة، ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به، بل يكون محرما إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد، هو بميزان الشريعة "

قواعد حاكمة

وتبقى سفينة الدعوة وهي في مدلهمات الحياة ، بحاجة إلى قواعد تحكم سيرها وسط العواصف والأعاصير ، وهي قواعد شرعية وحركية يجب ان يتلزم بها الجميع حتى تمضي القافلة نحو غايتها غير عابئة بما يردده المغرضون والعابثون :

1. التبين والتثبت من أي كلام نسمعه ونستقبله " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحواعلى ما فعلتم نادمين" ولقوله صلى الله علهي وسلم "إن العبد ليتكلم بالكلمة لايتثبت فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب " والتزام هذه القاعدة يجنبنا ( حدوث الظن الذي لا يغني من الحق شيئاً ، وظلم الآخرين ، وتصديق الإشاعة ، وانتشار الشبهة وتعاظمها ، والتشكيك في سلامة التوجه ، واختيار الطريق ، والتشكيك في سلامة المنهج والتلقي ، والتشكيك في سلامة الممارسة الدعوية من قبل القيادة ، وعدم الثقة فيها)

2. الخطأ من سنة البشر ، فلا عصمة لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول الخطيب البغدادي عن سعيد بن المسيب " ليس من شريف ولا عالم ولا ذي جاه غير الأنبــــياء إلا وفيه عيب إلا أن مـــــن الناس مــــــن لاينبغي أن تذكر عيوبه ، فمتى كان فضلــــــه أكبر من نقصه وهب نقصه لفضله " ، فالخطأ واقع لا محالة من البشر كافة ، وهذا الخطأ يتلافى وبخاصة في حق القائد ، وقد يثاب القائد إذا اجتهد فأخطأ " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر " ، والتزام هذه القاعدة يجنبنا ( فقدان التوازن المطلوب بين الخطأ والصواب ، فقدان الثقة بين المتعاملين ، وعدم احتمال الأخطاء ، فقدان القدوة والأسوة في الصف ، أخذ الناس بالخطأ دون النظر إلى نياتهم، شيوع المشاجرات والنزاع والجدال ، ترك الطريق عند رؤية الأخطاء) .

3. سد الذريعة واجب ، فدرء المفاسد مقدم على جلب المنافع ، ويتمثل ذلك في غـض الطرف عن بعض الزلات ، والسكوت عن بعض العيوب ، والتجاوز عن بعض الهفوات ، وعدم تقريرها وتقريعها ، فمن فن الدعوة أن نُبقي على الصلات ، وأن نتجنب الإساء ة فهي خلق لايليق بالداعية ، والامتناع عن الإساءة للأكابر ، وينتج عن عدم التعامل بهذه القاعدة ، فقدان روح الرحمة والعطف ، وهي أساسيات التربية الدعوي ، فقدان التقييم الدعوي المتوازن ، تحويل المدعو إلى عدو محارب ، حمل المدعو على الإساءة للدعوة والدعاة ، وتأصيل الحقد لديه

4. عدم تتبع عورات الناس وبخاصة قادة الدعوة وأصحاب السبق ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم " من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ، ومن تتبع الله عورته فضحه في عقر داره " ويقول ابن تيمية رحمه الله " وليس لأحد أن يتتبع زلات العلماء" وصاحب الدعوة كالمؤمن ستار للعيوب ، لا كالمنافق فضاح للعيوب متتبع له ، فالتشهير خلق رديء ، والانشغال بالدعوة عاصم لصاحبه من هذا التتبع ، والتزام هذه القاعدة يجنبنا ( الإنشغال بتتبع النقص ، عدم الإهتمام بما هو أولى ، حمل الألفاظ ما لا تحتمل حتى يظهر العيب ، إيغار الصدور وتحول النصح إلى عداوة ، تبادل وتراشق العيوب ، فقدان تقديم القدوات للناس لحدوث التشويه ، وقوع فضيحة المتتبع لا محـــالة وسقوطه عن أعين المقتدين به ، مخالفته الشرعية أثرها عكسي عليه ) .

5. إسداء النصيحة والتوجيه والنقد يجب أن يكون وفق الأساليب الشرعية، وقدر الطاقة ، فلا يحمل الناس على مالا يقدرون عليه ، ولا يقصد به التوبيخ ، ولا يراد به الإنتقام لنفسه، وأن يكون ذلك وفق قواعد الأدب التربوي في الحوار والنقد، من أدب الخطاب والتكلم ، وأدب الإستماع والإنصات، وأن يكون النقد من الأكفاء له ، مع وجود القدرة وتوفر المعلومة شرط لنجاح النقد ، وتوفر فرصة قبول النقد والنظر فيه ، وأن تكون النصيحة في أوساطها ، وبين العقول التي تقدرها، والهدف منها الاصلاح ، وتحسين الأداء، وأن تكون في قنواتها وطرائقها ، وخاصة نقد العلماء والمسؤلين لأنهم يمثلون القدوة ، وأن يتوخى الناصح و الناقد أجمل العبارات ، وأسهل العبارات وأرق الكلمات ، والتزام هذه القاعدة يجنبنا (تحكيم الأذواق والعادات ونسيان الميزان الشرعي ، استعجال الثمرة ، والتكليف بما لايُطاق ، عدم مراعاة النفوس ، وأسر القلوب ، والسيطرة على العقول ، حدوث ردة الفعل المعاكسة بسبب القول غير الحسن ، انتشار الغوغائية والفوضى والصراخ والجدال المنهي عنه ، عـدم الرجوع إلى قواعـد الاستدلال بالقرآن والسنة ، اشاعة الأعراض ، وانتشار النقد وممارسته ممن لا يجيده أو يقدره)

6. شكر الله على نعمة معرفة الطريق مثل نعمة الهداية للإسلام ، و قال ابن تيمية رحمه الله "على المتعلم أن يعرف حرمة استاذه ، ويشكر إحسانه إليه فإن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، ولا يجحد حقه ، ولا ينكر معروفه " ، ويتحقق ذلك بوجود الإدراك الكامل للأهداف والوسائل ، بعدم المغالاة وتحميل الألفاظ أو المواقف مـا لا تحتمل، وعـــدم تبني الفقــــه الأعـوج ، وبوجــــــود العدل والإنصاف وعدم بخس الناس أشياءهم ، والتزام هذه القاعدة يجنبنا ( الإنشغال عن العمل بتصيد الأخطاء ، البحث عن المشاغبين والضعفاء ، وتشكيل شللية منهم والأنس إليهم وبهم ، عدم جمع قلوب الناس على الدعاة والدعوة ، وتفريق المسلمين عنهم ، شق الصف باظهار التذمر ، ومحـــــاولـة زرعه في الآخرين ، عدم تقدير العطاء والبذل والتضحية ، ومعرفة حرمة من يستحق الحرمة من الدعاة والعلماء والموجهين ، فقدان العدل ، وبخس الناس أشياءهم ومواقعهم بدون وجه حق )

مسك الختام

إلى الأحباب جميعا ، شركائنا في سفينة الدعوة ، في أعلاها أو أسفلها ، نقولها بكل صدق وحب ، صونوا سفينة دعوتكم باتفاقكم على منهج دعوتكم الذي يضمن لكم النجاة ، والتفافكم حول قيادتكم الراشدة ، واعتصامكم بحبل الله المتين، وأخوتكم الصادقة وتقوية الإيمان والعمل الصالح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والوقوف صفا واحدا ضد من يريد إغراق هذه السفينة، واللجوء إلى الله وطلب العزة منه وحده، ولا تكونوا عوناً للظالمين على قيادتكم ، ولا مطايا للعلمانيين لخرق سفينتكم ، ولا أظافر للضالين تنهش لحوم قيادتكم ، ولا عبيدا للمنافقين ، ولا خدما لعلماء السوء ضد جماعتكم ، وتذكروا قوله تعالى "ومن أضل ممن اتبع هواة بغير هدى من الله " وتذكروا قول الحبيب " إياكم والفتن فإن وقع اللسان فيها مثل وقع السيف " ، واتركوا – هدانا الله وإياكم – تلك الغفلة السادرة ، والخطوات اللاهية ، والانصياع الأعمى إلي كل ناعق ، فما هو من سبيل المؤمنين ، ولا طريق الفالحين ، وأقبلوا علي الله وعلي دعوته بقلب سليم ، والله معكم ولن يتركم أعمالكم .

الثلاثاء، ٨ أبريل ٢٠٠٨

متى تكون مقاطعة الانتخابات إيجابية ؟

تهيئة

المسلم ذو البصيرة النافذة لا ينظر إلى أي أزمة أو حدث أو فعل أو ترك في موقف ما من وجه واحد ، بأن يكتفي منها بأثرها السلبي فقط ، بل هو مدعو أن يتناول الأحداث بشئ من التفاؤل يستطلع به بعض إيجابيات الأزمة وآثارها البعيدة، والتي هي جزء من مفهوم الحكمة الإلهية "عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِن" ، وهو مطالب بأن يوازن في أفعاله ما يراعي المصلحة سواء كانت في الفعل او الترك ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية " فمن لم يوازن ما في الفعل والترك من المصلحة الشرعية، والمفسدة الشرعية؛ فقد يدع واجبات، ويفعل محرّمات " ولذلك فهناك واجبات شرعية يحول دونها ما هو أوجب منها، أو يحول دونها مفسدة أعظم منها، فتصبح بهذا غير واجبة ، ومن ذلك ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتال المنافقين والإبقاء عليهم رغم الأمر الإلهي الصريح " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم " فترك النبي ذلك وبرره بقوله " خشية أن يقال أن محمدا يقتل أصحابه" ، ولا يزال الأمر إلى اليوم على ما هو عليه ، مما يدل على أن بعض الواجبات قد لا يتحقق أبداً في الفعل بل بالترك ، ومن هنا فإن مقاطعة الإخوان لانتخابات المحليات تقاس في ضوء تلك القاعدة الشرعية .

والمسلم في فعله وتركه تتحكم فيه إضافة إلى مراعاة المصلحة نقطة أخرى هامة ، وهي الاستطاعة التي تعني القدرة على الفعل أو الترك على حد سواء ، وارتباط ذلك بغاية الفعل او الترك ، يقول ابن القيم " إن النفس لا تترك محبوباً إلا لمحبوب أعلى منه , أو خشية مكروه , حصوله أضرُّ عليها من فوات هذا المحبوب" ولا يصل المسلم إلى تحقيق هذه الصفة إلا إذا امتلك أمرين ، أحدهما بصيرة صحيحة ، يفرّق بها بين درجات المحبوب والمكروه في الفعل أو الترك , فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما , ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص من أعلاهما ، والثاني : قوة عزم وصبر ، يتمكن به من هذا الفعل أوالترك ، ومقاطعة الانتخابات تدخل في هذا الإطار أيضا ، فإن الإخوان متجردون لله في الفعل أو الترك ، من أي منفعة أخرى ، بل تحكم مواقفهم المصلحة من ناحية ، والاستطاعة من ناحية أخرى ، إضافة إلى ابتغاء مرضاة الله حيث كانت ، سواء في الفعل او الترك .



مفردات الإيجابية

الأخ المسلم يدرك أن الإيجابية قوة روح وعزم ، وقوة جد وهم ، وقوة عمل وكدح ، ، والداعية الإيجابي لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت ، ولا تصرفه وفق هواها، بل هو الذي يستفيد منها ،إنه بقواه الكامنة وملكاته المدفونة فيه ، والفرص المحدودة المتاحة له يستطيع أن يبني حياته من جديد ، فالإيجابية مقاومة تغيرية نحو الأفضل تستثمر القليل فتنميه ، وتحول المسار فتقود المسيرة ، ومن هنا فهي دعوة رفض للاستسلام للواقع وتبرير القعود ، وانتظار الأقدار ، وهي طاقة تشحذ الهمة، وتدفع إلى البذل والعمل، وانتهاز الفرص، واستثمار الواقع، فعلا أو تركا ، وهي الحقيقة التي تجعل الدعوة محوراً للحياة، يتعلق بها القلب، وتتشوق إليها النفس، ولأجلها تحشد الطاقات ، وفي سبيلها تسخر الإمكانيات ، وهي عمل يمنع الكسل، وحيوية تقضي على السلبية، وانتشار لا يقبل الانحسار، إنها عطاء ليس له حدود، وارتقاء فوق كل السدود، ومبادرة لا تكبلها القيود ، وهذا هو ما يحكم الإخوان في أفعالهم وقراراتهم .

إيجابية المشاركة والمقاطعة

بناء على ما سبق ، فإن قرار الإخوان بالمشاركة من عدمه في انتخابات المحليات ، ينطلق من منطلقات عدة تحكم هذا القرار ما بين التزام ضوابط السياسة الشرعية ومراعاة المصلحة ، والموازنة بين المصالح والمفاسد ، والمحبوب والمكروه ، والمستطاع وغير المستطاع ، ومن هنا فإن الإيجابية تتجسد في مواقف الإخوان التي تمت في انتخابات المحليات سواء كانت في فترة المشاركة عبر مراحل الانتخابات السابقة أو في قرار المقاطعة قبل موعد الانتخابات بيوم ، ومن ملامح تلك الإيجابية :

· حينما ينوي الإخوان خوض الانتخابات المحلية والتقدم بعشرة آلاف مرشح مما يعني تجذر الإخوان في كل ربوع مصر ، و حرصهم على التغيير الإيجابي ومواجهة الفساد ، فهو فعل إيجابي .

· حينما يتم استكمال أكثر من 5000 مرشح إخواني أوراقهم رغم العراقيل التي وضعت أمامهم ، ومرور 498 منهم وقبول أوراقهم رغم التضييق الشديد غير المسبوق ، فهو فعل إيجابي .

· حينما ينزل الإخوان إلى الساحة الجماهيرية ، للاحتكاك بالمجتمع برموز جديدة ، والتواضل مع الجماهير خلال شهري الحملة الانتخابية ، فهو فعل إيجابي .

· حينما يقدم الإخوان أكثر من ألف معتقل من قياداتهم ورموزهم وأنصارهم ، ممن يمثلون فئات المجتمع بشتى فصائله بسبب مشاركتهم في انتخابات المحليات ، فهو فعل إيجابي .

· حينما يؤكد الإخوان على سلمية المنهج، وأن السعي إلى الإصلاح والتغيير لن يكون إلا عبر القنوات الدستورية والقانونية، مع نبذ كامل للعنف والثورات والتطرف ، فهو فعل إيجابي .

· حينما يحدث الإخوان حالة من الحراك السياسي والمجتمعي العام، والوقوف في وجه تيار السلطة، وتعميق قيمة الإيجابية لدى الشعب، والتأكيد على قوة الرأي العام ، فهو فعل إيجابي .

· حينما يوجد الإخوان حالة من الحراك داخل الصفِّ ، و اكتساب قيم الإيجابية، وتحمُّل المسؤولية، وازدياد الوعي السياسي والتربية الإيمانية والشجاعة والثبات... إلخ، فهو فعل إيجابي .

· حينما كسر الإخوان التعتيم الإعلامي الذي يحاول النظام أن يفرضه حول الجماعة، عبر المشاركة في هذه الانتخابات ، وفضح ممارسات النظام وشعاراته الزائفة ، ومحاربة الفساد الغير مسبوق على كل المستويات ، فهو فعل إيجابي .

· حينما تحول موقف الإخوان إلى النضال القانوني ، بعدما منع مرشحو الإخوان من إدراج أسمائهم بكشوف الانتخابات ، حتى أصبح بأيديهم آلاف الأحكام القضائية التي تمكنهم من ترشيح أنفسهم ، فهو فعل إيجابي .

· وحينما يلجأ الإخوان إلى القضاء مرة أخرى للحصول على أحكام بإلغاء الانتخابات في محافظات عدة منها ( القاهرة والجيزة والاسكندرية والغربية والشرقية والمنوفية والفيوم وكفر الشيخ ودمياط والبحيرة و السويس و القليوبية و بني سويف و بور سعيد) فهو فعل إيجابي .

· و حينما يظهر سيناريو الصفقة بين النظام وأحزاب الوفد والتجمع والناصري ، والمتمثل في إزاحة الإخوان، عبر منحهم عددا من المقاعد تشكل بها تيارا سياسيا يواجه تواجد الاخوان على الساحة ، كما حدث في الإسماعيلية ، فيعلن الإخوان المقاطعة ، فهو فعل إيجابي .

· وحينما تتحول انتخايات المحليات إلى مسرحية هزلية ، نسجت خيوطها وحيكت فصولها بهدف إعطاء شرعية مزيفة لديمقراطية النظام ، فيعلن الإخوان المقاطعة ، فهو فعل إيجابي .

· وحينما تصبح 80 % من مقاعد انتخابات المحليات محسومة بالتزكية للحزب الحاكم ،وبقاء 20 % يتم الصراع الوهمي عليها بين الأحزاب ، فيعلن الإخوان المقاطعة ، فهو فعل إيجابي .

· وحينما تصبح الانتخابات بهدف تمكين النظام من تحقيق انتصار زائف و دعم شرعيته المتآكلة ، والنيل من قدرة الإخوان على النجاح ، وكسر معنوياتهم ومعنويات الشعب معهم ، فيعلن الإخوان المقاطعة ، فهو فعل إيجابي .

· حينما يريد الإخوان إرسال رسالة للنظام بأنهم ما زال بأيديهم أوراق ذات فاعلية وتأثير على الساحة الجماهيرية ، فيعلن الإخوان المقاطعة ، فهو فعل إيجابي .

· حينما دعا الإخوان الشعبَ المصريَّ إلى مقاطعةِ انتخابات المحليات بعد ما شابها من عملية تزوير قبل إجرائها، من باب احترام الشرعية التي عبَّرت عنها أحكام القضاء، والتي أهدرتها الإجراءات الحكومية ، فهو فعل إيجابي .

· وحينما أكَّد الإخوان أنهم سيظلون على الكفاح السياسي والقانوني لإبطال انتخابات المحليات في حال إجرائها، متمسِّكين بمواجهة الاستبداد والفساد والسعي السلمي إلى الإصلاح والتغيير عبر القنوات الدستورية والقانونية ، فهو فعل إيجابي ..

ومن هنا فإن الإخوان سيبقون كما هم دائما ، سواء نزلوا في أي انتخابات أم قاطعوها ، بغيتهم الإصلاح دائما ، وبخاصة فى زمان كثر فيه الفساد وامتد ليصل إلى كل قطاعات الحياة ، وأن يتصدوا للفساد والمفسدين والمحتكرين والمرتشين ، وأن يخففوا عن أبناء الوطن ما هم فيه من غلاء وبلاء ، وأن يقدموا في سبيل ذلك كل غال وثمين من أجل حياة كريمة لأمتهم ، وأن يقدموا مصلحة أمتهم على مصالحهم الشخصية .

مسك الختام

يعلم أبناء الدعوة وأنصارها أن قرار الجماعة اولا بالمشاركة في الانتخابات لم يؤخذ برؤية فردية، وإنما من خلال المبدأ الذي اتخذه الإخوان وهو المشاركة في كل الانتخابات، سواء كانت برلمانية أو محلية أو نقابية أو طلابية، وذلك وفق دراسة تقييمية للظروف والأحوال العامة والمناخ السياسي، ومدى استعداد الجماعة لذلك، ومدى جدوى الدخول من عدمه ، وبعد استطلاع رأي الإخوان والوقوف على السلبيات والايجابيات ، ثم يكو ن الرأي الأخير لقيادة الجماعة والذي يأتي موافقا للقواعد السابقة من مراعاة المصلحة وضوابط الشرع والسياسة الشرعية وفقه الموازنات بين المصالح والمفاسد ، وأن أي قرار قد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات والأحوال والأشخاص ، وهكذا كان قرار الإخوان بالمشاركة في الانتخابات أولا ثم قرار مقاطعة الانتخابات أخيرا، وبناء على ذلك فقد تختلف ردود الأفعال التي يبديها البعض داخل الجماعة موافقة أو معترضة على قرار ما ، فهذه طبيعة بشرية ولا يمكن أن تؤخذ على أنها تمرد داخل الجماعة أو وجود تيارات مختلفة ، بل هو المناخ الصحي السائد وسط الإخوان ، فالكل مطالب أن يقدم نصيحته في إطار الضوابط الشرعية والتنظيمية والأخلاقية ، وليس على أحد من إثم ولا حرج مادامت نصيحته تبني ولا تهدم وخالصة ومتجردة لله وفي إطارها الشرعي والتنظيمي .